تستعد العاصمة المغربية الرباط لاحتضان وقفة احتجاجية غير مسبوقة لهيئات الصحافة والنشر، يوم غد الأربعاء، أمام مبنى البرلمان، وسط تصاعد التوتر بين الحكومة وممثلي الجسم الإعلامي، على خلفية مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي تقول النقابات والهيئات المهنية إنه “يضرب في العمق فلسفة التنظيم الذاتي ويُقوّض المكتسبات الدستورية”.
ويأتي هذا التحرك المهني عقب سلسلة من المراسلات والمواقف الرافضة لما وصفته النقابات بـ”الانزلاق التشريعي” الذي تمثله الصيغة الجديدة لمشروع القانون، والتي تعتبرها “محاولة لفرض وصاية سياسية على قطاع ظل، منذ 2011، يفتخر بنموذجه المستقل والمنتخب”.
وفي هذا السياق، نظمت الهيئات المهنية الكبرى بالمغرب بمقر النقابة الوطنية للصحافة المغربية، ندوة صحافية صباح البوم الثلاثاء 21 أكتوبر 2025، لتسليط الضوء على خلفيات ودلالات الوقفة الاحتجاجية المقررة في اليوم التالي، والتي دُعيت إليها مختلف الهيئات الإعلامية والنقابات المهنية والناشرين والمراسلين.
وشهد اللقاء عرض تفاصيل موقف النقابة والفيدرالية من مشروع القانون، وتسليط الضوء على ما تعتبره “تراجعات خطيرة في مضمون النص التشريعي الذي أُعدّ دون إشراك فعلي للهيئات المهنية، وبمنطق فوقي يهمّش ممثلي الصحافيين والناشرين”.
“انقلاب على مبدأ الانتخاب“
وفي بيان مشترك، حذّرت خمس هيئات مهنية، من بينها النقابة الوطنية للصحافة المغربية، والفيدرالية المغربية لناشري الصحف، والجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال (UMT)، من ما وصفته بـ”محاولة فرض نمط جديد من التسيير يُقصي الصحافيين من اختيار ممثليهم، ويكرس منطق التعيين السياسي على حساب الديمقراطية والتمثيلية”.
ووصفت الهيئات المعنية المشروع بـ”الورطة التنظيمية”، معتبرة أنه “يُجهز على روح دستور 2011، ويفتح الباب أمام التحكم والإقصاء، عبر تقليص تمثيلية النقابات، وتحويل المقاعد المهنية إلى مكاسب للوبيات المصالح”.
الرقاص: المشروع يُهدد صورة المغرب دوليًا
وفي مداخلة حادة اللهجة، قال محتات الرقاص، رئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، إن “المشروع الحالي لا يمثل فقط خرقاً للمنهجية التشاركية، بل يُهدد صورة المغرب الحقوقية في المحافل الدولية”، مشيراً إلى أن “التخلي عن مبدأ الانتخاب لصالح التعيين أمر يصعب الدفاع عنه دوليًا”.
واتهم الرقاص الحكومة بـ”التصرف بتسرّع وارتجال”، دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، قائلاً إن المشروع “يسعى إلى إعادة تشكيل المشهد المهني بمقاسات سياسية مسبقة”.
أخشيشن: هذه لحظة مصيرية في تاريخ المهنة
وقال عبد الكبير اخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، إن مهنة الصحافة تمر بـ”مرحلة دقيقة ومصيرية”، تستدعي إصلاحاً عميقاً ومتزناً للمنظومة القانونية المؤطرة للقطاع، وليس “ترقيعات ظرفية تهدد وحدة الجسم المهني وتضرب مبدأ التنظيم الذاتي في الصميم”.
وأوضح خلال الندوة أن “الارتباك التشريعي الحالي يهدد التجربة المغربية في مجال التنظيم الذاتي، والتي راكمت مكتسبات منذ سنوات”، مذكراً بأن النقابة نبهت منذ أكثر من سنتين إلى “خطورة التأخر في مراجعة القوانين، وأن الزمن التشريعي بات يحمل كلفة باهظة على المهنة”.
استمرار اللجنة المؤقتة بعد نهاية ولايتها
في تطور موازٍ، وجهت الهيئات المهنية مراسلات متفرقة إلى عدد من المؤسسات العليا في الدولة، بينها رئاسة الحكومة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، نددت فيها باستمرار اللجنة المؤقتة لتسيير المجلس الوطني للصحافة في ممارسة مهامها رغم انتهاء ولايتها القانونية منذ مطلع أكتوبر الجاري.
وأكدت هذه الهيئات أن أي قرار صادر عن اللجنة بات “فاقداً للشرعية” و”غير ملزم قانونياً”، محذّرة من “سابقة خطيرة تمسّ مصداقية التنظيم الذاتي للصحافة في المغرب”، ومؤكدة أن الوضع القائم يمثل “انتهاكًا للدستور ومبدأ سمو القانون”.
دعوات لوقف “العبث المؤسساتي“
وفي مراسلات موجهة إلى رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمينة بوعياش، طالبت النقابات بـ”التدخل الفوري لتصحيح وضع مختل وغير دستوري”، داعية إلى إصدار إنذار رسمي لرئيس اللجنة المنتهية ولايته، من أجل التوقف عن “استغلال اسم المؤسسة في ممارسات لا سند قانوني لها”.
وذهبت المراسلات إلى حد اعتبار أن بعض الإجراءات المتخذة من طرف اللجنة “قد تكون محلاً للمساءلة القانونية”، محملة الوزارة الوصية مسؤولية ما يمكن أن يترتب عن هذا “الخرق الصريح لروح القانون ومقتضياته”.
مؤسسات دستورية تبدي تحفظها
وخلال لقاء دراسي عُقد بمجلس المستشارين الأسبوع الماضي، عبر ممثلو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان عن “تحفظات عميقة” بخصوص الصيغة الحالية لمشروع القانون، مشددين على ضرورة احترام معايير الاستقلالية والتمثيلية والتعددية.
وقال محمد بنقدور، عضو المجلس الاقتصادي، إن المشروع “يعاني اختلالات بنيوية في تركيبة المجلس”، مقترحًا إدماج فئة “الحكماء” وفتح التمثيلية لصحافة المواطن والإعلام الرقمي، في حين أكد محمد الهاشمي، عن مجلس حقوق الإنسان، أن النص في وضعه الحالي “يكرس النزعة التأديبية، ويُغيّب ضمانات المحاكمة العادلة”.
تصعيد قادم
وفي ظل استمرار ما تصفه النقابات بـ”غياب الحوار الجدي”، تؤكد مختلف التنظيمات المهنية أن “باب التصعيد مفتوح”، مشيرة إلى أن الوقفة الاحتجاجية المقبلة ستكون “محطة أولى ضمن برنامج نضالي مفتوح”، هدفه الضغط من أجل “قانون ديمقراطي يليق بمهنة الصحافة ويحترم المكتسبات الدستورية”.
وفي انتظار ما ستسفر عنه النقاشات داخل مجلس المستشارين، يتفق الفاعلون المهنيون على أن إصلاح المجلس الوطني للصحافة لا يجب أن يتم بمنطق تقني صرف، بل ضمن رؤية شاملة تضع حرية التعبير في صلب المشروع الديمقراطي المغربي.












































