لم يعد الحديث عن إنجازات كرة القدم النسوية في المغرب حديثًا عن “مفاجآت” أو “استثناءات” عابرة. فصعود لبؤات الأطلس إلى نصف نهائي كأس إفريقيا للأمم (المغرب 2024)، بعد فوز مستحق على منتخب مالي، لا يُقرأ في عزلة عن سياق أوسع: عقدٌ من التحول التدريجي والمضبوط، أعاد تشكيل معالم الرياضة النسائية المغربية، ليس فقط من حيث النتائج، بل على مستوى البنية، والتخطيط، والهوية.
لحظة التأهل إلى مونديال 2023 ثم بلوغ نهائي النسخة الأخيرة من “كان 2022” لم تكنا مجرد محطات مشرقة، بل إعلانًا واضحًا بأن المغرب لم يعد يطمح إلى مجرد الحضور، بل إلى التتويج.
الهزيمة في النهائي أمام جنوب إفريقيا، رغم مرارتها، كشفت أن المنتخب المغربي بات قريبًا من الألقاب، وأن الفارق مع كبار القارة لم يعد شاسعًا، بل قابل للتجاوز.
من هنا يمكن فهم الزخم الجديد الذي يرافق هذه النسخة، والضغط الإيجابي الذي يعيشه المنتخب النسوي، باعتباره أحد المرشحين الجديين للقب، خصوصًا وأن البطولة تُقام على أرضه وأمام جمهور يُدرك جيدًا قيمة ما تحقق وما ينتظر.
الفوز على منتخب مالي بثلاثة أهداف له بُعد رمزي أكبر من مجرد تأهل. لقد كشف عن نضج في الأداء، وقدرة على السيطرة الذهنية والتكتيكية، حتى عندما يواجه الفريق بعض الصعوبات، كما حدث في الشوط الأول. المدرب خورخي فيلدا تعامل مع المباراة ببراغماتية واضحة: لم يبحث عن الاستعراض، بل عن الفعالية، وعرف متى وكيف يُحدث التغييرات التي أعادت التوازن إلى الوسط ومنحت الفريق نفسًا جديدًا.
والأهم من ذلك أن اللبؤات لم يسقطن في فخ الثقة الزائدة أو الارتباك، بل أظهرن أنهن تعلمن من التجارب السابقة، خصوصًا من درس النهائي السابق، الذي ضاع بسبب لحظات ارتباك وثغرات في التمركز الدفاعي.
الرهان الأكبر الآن ليس فقط في الفوز على غانا، بل في إثبات أن المنتخب المغربي لم يعد فريقًا يُراهن فقط على عامل الأرض والجمهور، بل على نضج تكتيكي وذهني يؤهله للفوز خارج أي ظرف استثنائي. منتخب غانا خصم عنيد، يتقن اللعب تحت الضغط، ويملك لاعبات بمستوى بدني عالٍ وخبرة طويلة، لكن لبؤات الأطلس يمتلكن هذه المرة سلاحًا آخر: ذاكرة المنافسات الكبرى، وثقافة الفوز، وروح جماعية تتعالى فوق الفرديات.
ما نعيشه اليوم هو نتيجة سياسة تراكمية اشتغلت على أكثر من جبهة: البنية التحتية، التكوين، التشجيع الاجتماعي، والانفتاح على المدارس الكروية الأوروبية، وهو ما يُجسد في تركيبة الفريق الحالية التي تمزج بين اللاعبات المحليات والمحترفات. هذا التوازن هو ما منح المنتخب بُعدًا تنافسيًا جديدًا، وأخرج الرياضة النسوية من دوائر التهميش إلى قلب المعادلة الرياضية الوطنية.
الطريق إلى النهائي محفوف بالتحديات، لكنه لم يعد مستحيلاً. هذا الجيل من لبؤات الأطلس لا يحمل فقط طموح التتويج، بل عبء التأسيس لثقافة جديدة تُعلي من قيمة المرأة الرياضية في مجتمع لا يزال يواجه كثيرًا من المعوقات الذهنية والثقافية. مواجهة غانا ستكون مقياسًا للمدى الذي قطعته الرياضة النسوية، لكن ما تحقق حتى الآن يؤكد أن المغرب بات لاعبًا قارياً حقيقيًا، بمنتخب لا يخاف من الفوز، ولا يخجل من الحلم.










































