محمد فارس
قَبْل الخوض في صُلب الموضوع، يعني موضوع هذه المقالة الذي يتمحور حوْل [مَهزلة الدّيمقراطية في بلادنا]، سنحاول التّعريف بماهية الدّيمقراطية في [اليونان] منشأ هذه الديمقراطية، وكيف تطوّرت في البُلدان الغربية، وكيف نجحَت الدّيمقراطية في بلدان أوروبّية عانت ردحًا من الزّمن من الفاشية والحُكم الشُّمولي، وقد سبقناها في هذه الدّيمقراطية، لكنّ ديمقراطيتَنا تحوّلتْ إلى مهزلة، وصارت تجارة بفعل أحزاب تحوّلتْ إلى شركات ووكالات للمضاربات التّجارية والسّمسرة الدّيمقراطية، وتحوّل الناسُ إلى أنعام في هذه [الگورنة الدّيمقراطية]؛ فما هي الديمقراطيةُ في حقيقتها؟ سؤال! قد يتساءل قارئٌ متسرّع فيقول: وهل نحن بحاجة إلى تعريف لكلمة الدّيمُقراطية التي تلُوكها الألسُنُ يوميًا وتتغنّى بها الأحزاب، وتدّعيها الصُّحفُ حتى أصبحتْ هذه الدّيمقراطية معروفة، وصارتْ معلومةَ غير غامضة، فهل نحن بحاجة إلى تعريفها مجدّدًا؟ وجوابي على هذا الاعتراض، هو أنّ الألفاظَ الأكثر شيوعًا وذيوعًا في المجتمع، هي الألفاظ الأكثر غموضًا، وقد يعرفها السّامعُ بالسّمع لا بمعناها العميق، وقد يعتقد أنّها واضحة وهي ليست كذلك؛ فهل تعتقد أنّ البرلماني الذي أتى من العوام، والزّعيمُ الحزبي الذي صار غنيًا فاشترى بماله حزبًا، هل هؤلاء وهؤلاء يعرفون حقّا وصدقًا مفهومَ الدّيمقراطية؟ لقد رأيتَ الأبَ وزوْجتَه وابنتَه يدخلون البرلمان، ورأيتَ الأميَّ، ورأيتَ أحزابًا تستعين بتجّار المخدّرات في الحملات الانتخابية، ورأيتَ نوّابًا يدافعون عن الامتيازات، ورأيتَ هيئات حزبية تهاجمُ مسؤولاً لأنّه صدَحَ بكلمة حقٍّ صادمة، وهذا هو الأصلُ في الدّيمقراطية الحقّة، وأنا أسأل: هل هؤلاء يعرفون أصلاً للدّيمقراطية معنًى، ولـمُزاولتها أسلوبًا؟ فأين هم من الدّيمقراطية عملاً وسلوكًا واعتقادًا، وهل هذه الأحزابُ تمارس الدّيمقراطيةَ في أديرتها وسياستها الدّاخلية؟
إن التّقدم العلمي، والثقافي، والحضاري في العالم الإسلامي، كانت وراءَه [إمارةُ المؤمنين] وليس الأحزاب والطّوائف والعصب.. فلولا مبادرات، وقرارات، وإنجازات [إمارة المؤمنين] في بلادنا، هل كان [المغربُ] سينجح في احتواء وباء [كورونا]؟ هل كان سيمدّ يَد المساعدة لمن فقدوا مصدر عيشهِم؟ هل كان [المغرب] سيواجه بنجاحٍ وفعّالية المتربّصين بوحدتِه التّرابية من عربٍ وعجم؟ إذن خطّئُوني، ودُلُّوني إلى ما فعلتْه الأحزابُ الغثائية، والمنظمات النّقابية، والجمعيات النفعية غيْر الانتفاع بالدّعم المالي من خزينة الدّولة مقابل لا شيء؛ وصدق الشاعرُ حين قال: [ولا تطلبِ الجزاءَ إلاّ بقدر ما صنعْت]، فماذا صنعتْ هذه الأحزابُ للبلاد والعباد؟! والآن، سؤالٌ دقيقٌ أطرحه على القراء الكرام، وهو: كمْ حزب يوجد في البلدان الدّيمقراطية الحقّة؟ كم حِزب يوجد في [الولايات المتحدة الأمريكية، وفي بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، واليابان، وكندا]، وغيْرها من البُلدان المتقدّمة؟ هل فيها هذا الحَشْدُ من الأحزاب الغُثائية كما هو شأنُ بلادنا للأسف الشّديد؟ فهذه الحالة، هي حالةٌ مَرضية، والغريبُ في الأمر أنّنا نسمّيها ديمقراطية، وهذه الأحزابُ منها من كان زعيمًا لها رجلٌ أميٌّ، جاهل؛ ومنها من قفزَ إلى قمّتِها على أنّه زعيم والزّعامةُ منه براء؛ ومنها من تقلّدَ الزعامةَ منذ سنة (1986)؛ ومنها من طَردَ مرشّحًا إنْ هو ترشّحَ ضدّ الزّعيم؛ ومنها من صار التاجرُ الغني زعيمًا وسياسيا محنّكًا فجأةً، فالتفّ حوْله [البزناسة]، وصار يمنّي المغفّلين بوعود واهية هي ضربٌ من سماديرِ الأوهام..
تُطلق كلمةُ [الدّيمقراطية] في عصرنا في لغة السّياسة، على نوع معيّن من أنواع الحُكْم؛ وتُطلَق أوصافُها على الجماعات أو الأحزاب التي تدين بهذا النّوع من الحكومة، وهذا النّوع يَنضوي اليوم تحت لوائه عددٌ كبيرٌ من الدّول الكبرى والصّغرى، وأصلُ هذا التّعبير يوناني، ومعناه سلطة الشّعب أو حُكم الشّعب، والغايةُ الديمقراطية تُطابق هذا المعنى كلّ المطابقة إذ هي ترمي أن يحكُمَ الشعب نفسَه بنفسه، وقد كان تحقيقُ هذه الغاية ميسورًا في العصر القديم، حينما كانت حدودُ الدّولة تقتصر على مدينة واحدة أو رقعة محدودة.. وقد مرّت الديمقراطيةُ عبْر تقلّبات، حيث كانت تقوم أنواعٌ من الحكومات تنضوي تحت لواء الدّيمقراطية، وهي في الواقع تخضع لأشدّ ضروب الطّغيان كما هو شأنُ الدّيمقراطية اليوم في بلادنا؛ فقد سمّاها المفكّر المغربي [سرْفاتي]: [الدّيمُفاشية]؛ كما سمّاها عالمُ المستقبليات [المهدي المنجرة]: [الذُّلُّقراطية]، وأسمّيها أنا الآن [اَلْقُفُّقْراطية] من [القُفَّة] التي سُمّيتْ [جُود] خلال رمضان الأبرك.. كانت الدّيمقراطية في [فرنسا] وقفًا على الأغنياء والمرشّح ينبغي أن يكون مالكًا لنصابٍ ماليٍّ معيّن، فكان الأغنياءُ يترشّحون والفقراء يصوّتون؛ وفي [المغرب] عُدْنا إلى تلك الحقبة السّوداء، حيث صار المرشّحُ الثّري يملك حزبًا، ويلتفّ حوْله الأغنياءُ، فيمنّي الشّعب بوعود وهمية لن تتحقّق؛ صارت اللّيبراليةُ المتوحّشة هي التي تتحكّم في الدّيمقراطية وحوّلتْها إلى [ذُلّقْراطية]..










































