لم يعد الذهاب إلى ملعب كرة القدم في المغرب فعلاً ذكورياً خالصاً، ولا حدثاً استثنائياً بالنسبة للنساء. ما نشهده في ملاعب كأس أمم أفريقيا 2025 ليس مجرد ارتفاع عددي في الحضور النسائي، بل تحوّل عميق في معنى التشجيع، وفي العلاقة بين الفضاء العام والمرأة، وبين كرة القدم والمجتمع.
هنا لا يتعلق الأمر بـ“ظاهرة موسمية”، بل بمؤشر اجتماعي وثقافي يستحق قراءة هادئة بعيدة عن الانبهار أو التهويل.
أول ما يلفت الانتباه أن هذا الحضور النسائي لا ينتمي إلى فئة واحدة. نساء من الجالية المغربية بأوروبا، شابات من دول أفريقية، طالبات ومتطوعات، أمهات يصطحبن بناتهن، وحتى طفلات يعشن أول احتكاك لهن مع “سحر المدرجات”.
هذا التنوع ينزع عن الظاهرة طابعها الفولكلوري، ويجعلها أقرب إلى تحوّل بنيوي في علاقة النساء بكرة القدم، بوصفها فضاءً اجتماعياً لا يقل أهمية عن كونه حدثاً رياضياً.
العامل الأمني يبرز كأحد المفاتيح الأساسية لفهم هذا التحول، لكنه ليس العامل الوحيد. صحيح أن التنظيم المحكم، والحضور المكثف لقوات الأمن، وسلاسة التنقل بين المدن، كلها عناصر أسهمت في طمأنة النساء، مغربيات وأجنبيات.
غير أن اختزال المسألة في “الأمان” فقط يُفوّت جوهر التحول. فالأمن، في هذه الحالة، ليس مجرد غياب للخطر، بل شرط يسمح للمرأة باستعادة حقها في الفضاء العام دون شعور بالوصاية أو الخوف.
الأهم من ذلك أن الملاعب لم تعد فضاءً “عدائياً” كما ترسخ في المخيال الجمعي لسنوات. لقد تغيّر خطاب التشجيع نفسه، وتحوّلت المدرجات من مجال للصدام اللفظي والرمزي إلى مساحة أكثر تنوعاً في التعبير.
حضور النساء، سواء كمشجعات أو متطوعات، فرض إيقاعاً مختلفاً: أقل عنفاً، أكثر احتفالاً، وأكثر قرباً من معنى الانتماء الجماعي. لا يعني هذا تراجع الحماس، بل إعادة تعريفه.
اللافت أيضاً أن جزءاً مهماً من هذا الحضور النسائي جاء من خارج المغرب، من الجاليات ومن القارة الأفريقية. هؤلاء النساء لا يأتين فقط لمتابعة مباراة، بل لخوض تجربة كاملة: تنقل، تفاعل، اكتشاف بلد، والاندماج في طقس جماعي عابر للحدود.
هنا تتحول كرة القدم إلى لغة مشتركة، وتصبح المرأة فاعلاً أساسياً في تسويق صورة المغرب كبلد آمن ومنفتح، بعيداً عن الخطابات الرسمية والشعارات الجاهزة.
في المقابل، لا يمكن إغفال الدور غير المرئي الذي تلعبه النساء داخل الملاعب، خصوصاً المتطوعات. وجودهن في التنظيم، والإرشاد، والتواصل مع الجماهير، يكرّس صورة جديدة للمرأة: ليست فقط مشجعة، بل شريكة في صناعة الحدث.
ورغم ما يرافق ذلك من صعوبات ونظرات نمطية، فإن التجربة تكشف عن كفاءات نسائية شابة قادرة على تحمل المسؤولية في فضاءات كانت إلى وقت قريب حكراً على الرجال.
أما الجدل الدائر حول “تأنيث التشجيع” وتأثيره على حماسة المدرجات، فيبدو في كثير من الأحيان نقاشاً سطحياً. الحماس لا يُقاس بحدة الصوت فقط، بل بصدق الانتماء واستمراريته.
ثم إن فتور الأجواء في بعض المباريات لا يرتبط بجنس المشجعين، بقدر ما يرتبط بغياب ثقافة الألتراس في بعض المدن، أو بطبيعة المباراة نفسها. تحميل النساء مسؤولية ذلك لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج لنظرة إقصائية قديمة.
الأكثر دلالة في هذا المشهد هو حضور الأطفال، خصوصاً الفتيات، إلى الملاعب. هنا لا نتحدث عن لحظة عابرة، بل عن تنشئة جيل جديد يرى في كرة القدم لعبة مشتركة، وفي الملعب فضاءً طبيعياً للجميع.
هذا الجيل قد لا يتذكر تفاصيل النتائج، لكنه سيتذكر الإحساس بالأمان، والانتماء، والفرح الجماعي. وهي عناصر تصنع علاقة طويلة الأمد بالرياضة، وبالفضاء العام عموماً.
في المحصلة، الحضور النسائي في ملاعب كأس أفريقيا بالمغرب ليس “زينة” للمشهد ولا استثناءً ظرفياً، بل علامة على تحوّل أعمق في المجتمع المغربي والأفريقي.
كرة القدم هنا لم تغيّر النساء، بل النساء هن من يغيّرن كرة القدم، بهدوء، وبشغف، ومن دون شعارات. وربما في هذا الهدوء تكمن قوة التحول الحقيقي.









































