أعلنت الدنمارك، التي تُعد من أكثر الدول رقمنة في العالم، توقفها نهائيًا عن توصيل الرسائل الورقية، لتصبح بذلك أول دولة في أوروباتتخلى كليًا عن هذه الخدمة بعد 401 عام من تاريخ البريد في البلاد.
وجرت عملية التسليم الأخيرة للرسائل إلى متحف “إنيغما” للاتصالات في كوبنهاغن، أمس الثلاثاء، حيث تم حفظها كجزء دائم من المعرض، في لحظة رمزية تُنهِي حقبة طويلة امتدت منذ بدايات الاتصالات النظامية في البلاد.
وقد أعلنت شركة البريد السويدية–الدانماركية “بوستنورد” في مارس الماضي أن عدد الرسائل الورقية في الدنمارك انخفض بنسبة 90% منذ عام 2000، مع تسارع وتيرة التحول نحو الاتصالات الرقمية. واعتبرت الشركة الحكومية حينها أن استمرار خدمة الرسائل لم يعد مجديًا، بسبب هذا التراجع الحاد في الطلب، متجهة نحو تركيز كامل على توصيل الطرود تماشيًا مع الارتفاع الكبير في التسوق عبر الإنترنت.
ويُعد هذا القرار خطوة جديدة في مسار طويل من التغييرات في قطاع البريد الدنماركي، الذي بدأ إزالة نحو 1500 صندوق بريد أحمر عام منذ النصف الثاني من سنة 2025، في مؤشر آخر على زوال البنية التقليدية لخدمات البريد.
كما توقفت الشركة عن بيع الطوابع البريدية في 18 دجنبر الماضي، ما عزز الشعور بأن البريد الورقي أصبح في الدنمارك تابوتًا مفتوحًا للتاريخ، لا سلعة مستخدمة.
وقد حظيت آخر رسالة بريدية بأهمية خاصة، إذ تم تسليمها رسمياً إلى متحف “إنيغما” للاتصالات، الذي يحتفظ منذ سنوات بآثار التاريخ البريدي في الدنمارك. وستكون هذه الرسالة جزءًا من المعرض الدائم، كذكرى على تفوّق الوسائل الرقمية على الورقية، وكـ شهادة على تطور الاتصالات خلال أربعة قرون، من الكتابة اليدوية إلى الرسائل الإلكترونية الفورية.
يُنظر إلى هذه الخطوة من قبل الدنمارك كـ علامة فارقة في تاريخ الاتصالات، تعكس التغيّر السريع في سلوك المستخدمين ونمط التواصل العالمي. ففي عام 2000، كان البريد الورقي لا يزال جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، تُرسل عبره الرسائل الرسمية والشخصية. أما اليوم، فالأمور تبدو مختلفة تمامًا، إذ هيمنت الوسائل الرقمية والبريد الإلكتروني والرسائل الفورية على مساحة الرسائل الشخصية والتجارية.
وتُعد الدنمارك واحدة من الدول الرائدة في استخدام الخدمات الرقمية الحكومية والتطبيقات الإلكترونية، وهو ما ساهم في تسريع نهاية البريد الورقي. ومع أن الدولة لم تُعلن عن توقف مماثل في باقي خدمات البريد، مثل الطرود واللوجستيات، فإن هذه الخطوة تُعد انتقالاً نهائيًا من الورقة إلى البتّ (bits) في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وخيارات الاتصال.
في اللحظة التي تسلّم فيها موظف البريد الأخيرة إلى المتحف، بدا كأن التاريخ يودّع صفحة طويلة من عمر الاتصالات: أربع قرون من الحبر والطوابع والمراسلات الورقية، تُختتم برسالة واحدة تحفظ في متحف، بينما تتجه ملايين الرسائل الرقمية يوميًا عبر الألياف والبث اللاسلكي.
ورغم أن هذا الإعلان قد يبدو علامة على التقدّم الرقمي، إلا أنه يضع تساؤلات حول الحفاظ على الذاكرة الشعبية للبريد الورقي ودوره في توثيق اللحظات الإنسانية، في عصر باتت فيه الرسائل تنتقل بسرعة الضوء، لكن بلمسة أقل من الدفء الإنساني الذي حملته الرسائل الورقية عبر العصور.










































