ارتفع احتقان مهني غير مسبوق، حيث وجد وزير العدل عبد اللطيف وهبي نفسه في قلب مواجهة مفتوحة مع العدول، مواجهة اختار أن يخوضها بلغة سياسية حادة، محاولاً رسم الحدود بين ما يعتبره “إصلاحاً تشريعياً ضرورياً” وما يصفه بـ“الضغط الخارج عن المؤسسات”. وهبي، الذي أكد أنه ليس “وزير تدشينات”، قدم نفسه كفاعل سياسي مستعد لتحمل كلفة القرار، حتى وإن كان القرار مثيراً للغضب والجدل، في وقت تتسع فيه رقعة الاحتجاج داخل مهن قانونية تشعر بأنها مستهدفة أو مهمشة.
و شدد الوزير على أن مشروع القانون المنظم لمهنة العدول ليس استثناءً في كونه يخلق التوتر، معتبراً أن أي قانون يؤطر مهنة حساسة لا بد أن يصطدم بمصالح وتصورات مختلفة. غير أن أخطر ما في خطابه لم يكن فقط دفاعه عن المسطرة التشريعية، بل إصراره على ربط الإصلاح بملف الأموال، وهو الملف الذي وصفه بكونه “الهاجس الأكبر” منذ توليه حقيبة العدل. حين كشف وهبي أن إنشاء صندوق للموثقين انتهى بوجود “70 موثقاً في السجن”، لم يكن مجرد رقم عابر، بل رسالة سياسية مباشرة مفادها أن المال حين يختلط بالمهن القانونية دون رقابة صارمة يتحول إلى قنبلة موقوتة تهدد الثقة والأمن القانوني.
هذا المعطى، وإن استُعمل لتبرير توجه الدولة نحو نزع تدبير الأموال من يد المهنيين، أعاد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً: هل الإصلاح يمر عبر التعميم والعقاب الجماعي، أم عبر التمييز بين الاختلالات الفردية والمنظومة المهنية ككل؟ وهنا تحديداً يتموضع النقد الذي يرفعه العدول، إذ يؤكدون أن دفاعهم عن مهنتهم لا يعني رفض الإصلاح، بل المطالبة بإصلاح عادل لا يضع كل المهن في سلة واحدة ولا ينطلق من منطق الشبهة المسبقة.
وهبي من جهته شدد على أن الدولة لا تتفاوض إلا مع الهيئات المنصوص عليها قانوناً، رافضاً الاعتراف بالتنسيقيات التي نشأت خارج الإطار الرسمي. هذا الموقف، وإن كان منسجماً مع قراءة قانونية صارمة، يعكس في الوقت ذاته أزمة تمثيلية داخل بعض الهيئات، حيث يشعر جزء من المهنيين بأن صوتهم لا يصل عبر القنوات الرسمية، فيلجؤون إلى أشكال احتجاج موازية. رفض الوزير لهذه الدينامية يطرح سؤالاً سياسياً أوسع حول حدود الشرعية القانونية حين تصطدم بشرعية الغضب المهني.
في المقابل، يحاول العدول تقديم أنفسهم كفاعلين إصلاحيين لا كقوة تعطيل. خطابهم يركز على تطوير المهنة، تحديث آلياتها، وضمان الأمن التعاقدي، دون القبول بمنطق التمييز أو التراتبية بين المهن القانونية. فهم يرون أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يكون شاملاً، متوازناً، ويأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل مهنة، بدل فرض حلول موحدة قد تناسب طرفاً وتضر بآخر. كما يعتبرون أن إخراج مسألة الأموال من يد المهنيين يجب أن يتم بضمانات واضحة، حتى لا يتحول إلى تجريد للمهنة من جوهر استقلاليتها.
بين خطاب الوزير الذي يستحضر الدولة والمؤسسات والدستور، وخطاب العدول الذي يستحضر الممارسة اليومية والواقع المهني، تتسع هوة الثقة. وهبي يصر على أن البرلمان هو الفيصل، وأن القوانين قابلة للتعديل والنقاش، نافياً أي نية للإقصاء أو الاستهداف، لكنه في الوقت نفسه يبعث برسائل حزم مفادها أن “لا أحد سيلوي ذراعه”. هذا التوتر يعكس لحظة مفصلية في مسار الإصلاح القضائي، حيث لم يعد النقاش تقنياً فقط، بل صار سياسياً واجتماعياً بامتياز.
و يبدو أن معركة مشروع قانون العدول تتجاوز نصاً تشريعياً بعينه، لتلامس سؤالاً أعمق حول كيفية تدبير الإصلاح: هل بمنطق الصدمة وتحمل الكلفة السياسية، أم بمنطق التوافق الواسع الذي يخفف الاحتقان؟ بين “70 موثقاً” خلف القضبان، وعدول يرفعون شعار التطوير دون تمييز، تتجسد أزمة الثقة التي لن يحلها نص قانوني وحده، بل حوار مؤسساتي حقيقي يعيد الاعتبار للإصلاح كمسار جماعي لا كقرار فوقي.









































