أثار مشهد غياب النواب بالبرلمان الكثير من علامات الاستفهام، حيث عقد مجلس النواب، الثلاثاء، آخر جلساته العمومية التشريعية برسم الدورة الثانية من السنة التشريعية الحالية، وسط حضور محدود لم يتجاوز 15% من مجموع الأعضاء. فقد شهدت الجلسة المصيرية التي خُصصت للتصويت على عدد من مشاريع القوانين الهامة، حضور 62 نائباً فقط، 47 منهم من الأغلبية و15 من المعارضة، فيما غاب 333 نائباً ونائبة عن قبة البرلمان، ما يطرح تساؤلات حول جدية التمثيل البرلماني في اللحظات التشريعية المفصلية.
و افتُتحت الجلسة بالتصويت في قراءة ثانية على مشروع القانون رقم 03.23 المتعلق بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 الخاص بالمسطرة الجنائية، حيث صادق عليه المجلس بالأغلبية، بعد إدخال عدد من التعديلات الجوهرية من طرف مجلس المستشارين.
وتهدف هذه التعديلات إلى تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وتحديث آليات العدالة الجنائية، إذ شملت حضور المحامي مع الأحداث وذوي العاهات خلال استماع الشرطة القضائية إليهم و تمكين المحامي من الاتصال بالمشتبه فيه الموضوع رهن الحراسة النظرية ابتداءً من الساعة الأولى للاعتقال (باستثناء قضايا الإرهاب) و اعتماد التسجيل السمعي البصري أثناء التصريحات في الجنايات والجنح المعاقب عليها بخمس سنوات فأكثر و إمكانية التظلم من قرار الحفظ الصادر عن وكيل الملك أمام الوكيل العام و تقليص مدد الاعتقال الاحتياطي وتدقيق شروطه و إدراج المراقبة الإلكترونية ضمن تدابير المراقبة القضائية و وضع آليات للوقاية من التعذيب، منها الفحص الطبي الإلزامي للمشتبه فيه في حال وجود مؤشرات تستدعي ذلك.
و نص المشروع على منع الإدانة استناداً فقط إلى شهادة متهم ضد آخر ما لم تكن هناك قرائن قوية، وعدم الحكم بالإعدام إلا بإجماع غرفة الجنايات، فضلاً عن إقرار آلية التجنيح القضائي وتوسيع نطاق الصلح الجنائي.
من جهة أخرى، صادقت لجنة التعليم والثقافة والاتصال على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بحضور وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد. وقد حاز المشروع موافقة 18 نائباً، مقابل معارضة 7 نواب، بينما لم يسجل أي امتناع عن التصويت.
وناقشت اللجنة 249 تعديلاً، تم قبول 45 منها، أبرزها حذف عقوبة توقيف إصدار المطبوعات والصحف الإلكترونية لمدة 30 يوماً، انسجاماً مع توجهات المملكة الداعمة لحرية الصحافة.
كما أثار انتداب ممثلي الناشرين بدلاً من انتخابهم جدلاً، إذ اعتبرته المعارضة انتقاصاً من الطابع الديمقراطي للمجلس، بينما دافع الوزير عن الانتداب باعتباره “شكلاً من أشكال التمثيلية المبنية على التوافق”، مشيراً إلى اختلاف طبيعة هيئتي الصحافيين والناشرين.
و اختتم البرلمان دورته التشريعية بمجموعة من القوانين الهامة التي تمس ركائز العدالة وحرية التعبير، إلا أن الحضور البرلماني الضعيف يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى التزام النواب بمهامهم التمثيلية، خاصة في ظل التحديات الكبرى التي تواجه البلاد على المستويين الحقوقي والمؤسساتي.
الرسالة التي يبعث بها غياب 333 نائباً عن جلسة مصيرية كهذه، قد لا تكون مجرد رقم، بل تعبير عن أزمة عميقة في علاقة المواطن بالعمل التشريعي، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بقوانين تمس الحقوق والحريات الأساسية.










































