في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية بالشرق الأوسط وما يرافقها من تقلبات حادة في الأسواق العالمية، يسرّع عزيز أخنوش وتيرة التحرك الحكومي من أجل احتواء الانعكاسات المحتملة على الاقتصاد الوطني، واضعا حماية القدرة الشرائية للمغاربة في صلب الأولويات.
فخلال الاجتماع الأول للجنة الوزارية المكلفة بتتبع تداعيات هذه الأزمة، المنعقد بالرباط، بدا واضحا أن المغرب يدخل مرحلة تدبير استباقي للمخاطر، عبر رصد سيناريوهات متعددة للتطورات الدولية، واتخاذ إجراءات عملية للحفاظ على التوازنات الداخلية. هذا الاجتماع، الذي يرتقب أن يُعقد بشكل دوري، يعكس تحولا نحو مقاربة يقظة قائمة على التتبع المستمر واتخاذ القرار السريع وفق تطورات الظرفية.
ومن أبرز القرارات التي تمخضت عن هذا اللقاء، مواصلة دعم غاز البوتان رغم الارتفاع الكبير في أسعاره عالميا، والذي تجاوز 68 في المائة منذ بداية شهر مارس. وهو قرار يحمل أبعادا اجتماعية واضحة، بالنظر إلى حساسية هذه المادة في الاستهلاك اليومي للأسر المغربية، خاصة في ظل غياب بدائل واسعة الانتشار في الوقت الراهن.
كما قررت الحكومة الإبقاء على دعم أسعار الكهرباء، في خطوة تهدف إلى تجنب أي ضغط إضافي على ميزانيات الأسر، والحفاظ على استقرار تكاليف العيش، في سياق دولي يتسم بارتفاع أسعار الطاقة وتذبذبها.
وفي موازاة ذلك، أعطت الحكومة الضوء الأخضر لصرف دعم مباشر واستثنائي لفائدة مهنيي قطاع النقل، يغطي الفترة الممتدة من منتصف مارس إلى منتصف أبريل، بعد تسجيل أكثر من 87 ألف طلب عبر المنصة الرقمية المخصصة لهذا الغرض. ويشمل هذا الدعم مختلف فئات النقل، من سيارات الأجرة إلى الحافلات والنقل السياحي ونقل البضائع، في مسعى لضمان استمرارية الخدمات دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.
هذا الإجراء، الذي يأتي امتدادا لتجربة سابقة سنة 2022، يعكس إدراكا حكوميا بأهمية قطاع النقل كحلقة مركزية في سلسلة الأسعار، حيث ينعكس أي ارتفاع في تكلفته بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات. ومن هنا، فإن دعم المهنيين مشروط بالحفاظ على نفس التسعيرات، في إطار معادلة دقيقة تجمع بين دعم الفاعلين الاقتصاديين وحماية المستهلك.
على مستوى أوسع، تكشف هذه التدابير عن توجه حكومي يروم تحقيق توازن صعب بين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وضبط كلفة التدخلات المالية، خاصة في ظل ضغط الظرفية الدولية على الميزانية. فاستمرار دعم الطاقة والنقل يطرح تحديات مرتبطة بالتمويل والاستدامة، لكنه في المقابل يشكل صمام أمان لتفادي موجات تضخمية قد تكون لها انعكاسات أعمق.
ويعكس حضور عدد من القطاعات الوزارية الحيوية في هذا الاجتماع، من الداخلية والمالية إلى الطاقة والنقل والسياحة، طبيعة المقاربة الشمولية التي تعتمدها الحكومة في مواجهة هذه الأزمة، حيث لم يعد التعامل مع التحديات الاقتصادية يتم بشكل قطاعي ضيق، بل ضمن رؤية مندمجة تستحضر تداخل العوامل وتأثيراتها المتبادلة.
في المحصلة، يبدو أن الحكومة تراهن على الاستباق بدل رد الفعل، وعلى الدعم الموجه بدل الحلول العامة، في محاولة لعبور مرحلة دولية مضطربة بأقل الخسائر الممكنة. غير أن نجاح هذا الرهان سيظل رهينا بمدى استمرار هذه اليقظة، وقدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات الخارجية دون الإخلال بتوازناته الأساسية.










































