قال مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، إن الإصلاحات الجبائية التي باشرتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة مكنت من تحقيق قفزة نوعية في المداخيل الضريبية، حيث انتقل معدل النمو السنوي للضريبة على الشركات من 3.8 في المائة إلى 17.2 في المائة، كما ارتفعت المداخيل الجبائية من 199 مليار درهم سنة 2020 إلى 366 مليار درهم في أفق 2026. هذه الأرقام، التي قُدمت خلال ندوة صحفية أعقبت اجتماع المجلس الحكومي، تعكس من وجهة نظر الحكومة نجاح اختياراتها الجبائية وقدرتها على توسيع الوعاء الضريبي وتحقيق هوامش مالية وُظفت في تنزيل أوراش اجتماعية كبرى، على رأسها تعميم الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر والحوار الاجتماعي.
وبحسب بايتاس، فإن إصلاح الضريبة على القيمة المضافة، الذي طُبق سنة 2024، مكّن من تعميم الإعفاء على عدد من المواد الأساسية الأكثر استهلاكاً، في خطوة هدفت إلى دعم القدرة الشرائية للمواطنين، وفي الوقت نفسه رفع من النمو السنوي المتوسط لهذه الضريبة من 3.6 في المائة إلى 10.3 في المائة. كما اعتبر أن إصلاح الضريبة على الدخل سنة 2025 أنصف فئة الأجراء، التي كانت تتحمل العبء الأكبر من هذه الضريبة، وأسهم في الرفع من أجورهم الصافية نتيجة التخفيضات المطبقة.
وتؤكد الحكومة أن هذه الإصلاحات حققت عدالة ضريبية أكبر، ومكّنت من تمويل برامج اجتماعية ضخمة، من بينها أكثر من 41 مليار درهم لتعميم الحماية الاجتماعية سنة 2026، ونحو 29 مليار درهم للدعم الاجتماعي المباشر، و47 مليار درهم للحوار الاجتماعي، إضافة إلى 10 مليارات درهم لبرنامج دعم السكن. كما ارتفع الاستثمار العمومي من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى 380 مليار درهم في أفق 2026، وجرى تخصيص حوالي 107 مليارات درهم بين 2022 و2026 لدعم القدرة الشرائية، إلى جانب دعم مؤسسات عمومية استراتيجية كالمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، ورفع ميزانيات الصحة والتعليم إلى حدود 140 مليار درهم.
و رصد تقرير لجمعيات المستهلكين ، أن هذه الصورة الإيجابية التي ترسمها الأرقام الحكومية تصطدم بواقع اقتصادي مقلق تعيشه فئات واسعة من المقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة. فبموازاة الارتفاع الملحوظ في المداخيل الضريبية، شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تصاعداً لافتاً في حالات إفلاس المقاولات، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول كلفة هذه الإصلاحات على النسيج الاقتصادي وقدرته على الصمود.
تشير معطيات مهنية وقضائية إلى أن عدد المقاولات التي أعلنت إفلاسها أو دخلت في مساطر صعوبات المقاولة عرف منحى تصاعدياً، خصوصاً بعد جائحة كورونا وتداعياتها، ثم بفعل ارتفاع كلفة الإنتاج، وتراجع الطلب في بعض القطاعات، وتشديد شروط الولوج إلى التمويل البنكي. وتفيد تقديرات متداولة بأن آلاف المقاولات تُغلق سنوياً، وتشكل المقاولات الصغيرة جداً والصغرى النسبة الأكبر من هذه الحالات، ما ينعكس بشكل مباشر على مناصب الشغل والاستقرار الاجتماعي.
ويرى فاعلون اقتصاديون أن الضغط الجبائي، رغم ما تحمله الإصلاحات من شعارات العدالة وتوسيع الوعاء، ما يزال ثقيلاً على جزء مهم من المقاولات، خاصة تلك التي تشتغل في القطاعات ذات الهامش الضعيف أو في الاقتصاد المحلي. فبينما تمكنت الدولة من تحسين تحصيل الضرائب، تجد مقاولات كثيرة نفسها عاجزة عن مسايرة الالتزامات الجبائية والاجتماعية المتزايدة، في ظل محدودية الدعم وضعف المواكبة.
ويذهب بعض الخبراء إلى أن المفارقة تكمن في أن نجاح الدولة في رفع المداخيل الضريبية لا يعني بالضرورة صحة المنظومة الاقتصادية ككل، إذا كان ذلك يتم على حساب استدامة المقاولة. فإفلاس المقاولات لا يمثل فقط خسارة لوحدات إنتاجية، بل يؤدي أيضاً إلى تآكل القاعدة الضريبية على المدى المتوسط، ويقوض أهداف خلق الثروة وفرص الشغل التي تقوم عليها أي سياسة مالية ناجحة.
وفي مقابل ذلك، تؤكد الحكومة أن الإصلاحات الجبائية جاءت منسجمة مع توصيات المناظرة الوطنية للجبايات، وأنها تهدف في جوهرها إلى تحقيق التوازن بين العدالة الضريبية وتحفيز الاستثمار، مشددة على أن الهوامش المالية المحققة تُعاد ضخها في الاقتصاد عبر الاستثمار العمومي والدعم الاجتماعي. غير أن التحدي المطروح اليوم، في نظر متتبعين، يتمثل في الانتقال من منطق الأرقام الإجمالية إلى تقييم الأثر الفعلي لهذه السياسات على حياة المقاولات، وقدرتها على البقاء والنمو، بما يضمن أن لا يتحول ارتفاع الضرائب إلى عامل اختناق اقتصادي يفرغ الإصلاحات من مضمونها التنموي.










































