طارق ضرار
يا شباب الأمة ويا حاملين همّ المستقبل، دعونا نرمي دفاتر العلوم جانباً، ونكسر أقلام الفيزياء والرياضيات، ونغلق كتب الطب والهندسة، فقد ظهر لنا المنقذ، وها قد هبطت علينا «القدوة» من سطح بيته في الجديدة!
“القدوة” هو المنقذ من الضلال. ضلال التخلف والجهل وانعدام الشغل وضعف مستوى المدرسة. فقط اتبعوه وسوف تنجحون.
وما النجاح إلا “فلتة” ومن قال إن الفلتات لا تصنع التاريخ. قد تكون محوره ورحاه التي عليها تدور الدوائر. “الفلتة” قد تغني من سهر الليالي. وقد تنجي من تعب الأيام ووجع الرأس الذي تحدثه المطالعة. لا تطالع شيئا فقط اعرف كيف تطلع.
نعم، من فوق السطح مباشرةً إلى طائرة خاصة، ومن الطائرة إلى إيطاليا، لا للعمل في الفلاحة أو لغسل الصحون كما تعوّدنا، بل رئيساً لنادٍ كبير اسم النادي؟ من يهتم؟ المهم أنه نادي!. ثم التقط صورة مع زوج شاكيرا، ويا لها من نقلة نوعية! البارحة كان يصفف شعره بجيل السوق، واليوم يمسح حذاءه على سجاد أحمر.
وإذا أعطاك “العاطي” لا تحرث لا تواطي، كما يقول أسيادنا أهل البادية والحكمة. ما عليك إلا أن تعرف كيف تحترف التفاهة، فستجد ألف محتضن. لا يعنيهم المثقف بقدر ما تعنيهم أجيال “آكلة مخ الضبع”. أو صناعة “جيل الضباع بتعبير الفقيد محمد جسوس رائد السوسيولوجيا بالمغرب”.
ثم ماذا؟ فجأة، هذا الوزير يكرّمه! فجأة، ذاك الوزير يتودد إليه! فجأة، جوائز تنهال عليه كما تنهال علينا فواتير الماء والكهرباء! فهل عرفتم الآن معنى كلمة “القدوة”؟ .
لا يريدون “قدوة” في العلم والمعرفة والثقافة والفن الصانع للذوق. يريدون “قدوة” لجيل كامل من التفاهة.
نحن في زمن فيه السقف أصبح مطاراً، والتفاهة أصبحت مؤهلاً، واللغة البذيئة صارت “أسلوباً حراً”، والسطحية هي العمق بعينه. من ينتج علماً نافعاً يُطرد بصمت من الجامعة، ومن ينتج تفاهة صارخة يُصفق له جمهور التيك توك ويوتيوب ويرددون: “كمل علينا عفاك! زيدنا!”
أيها الشباب الحالم، لقد صرنا نتعلم من أشخاص يتعلم فيهم الآخرون كيف يسوقون لنا الجهل مغلفاً بالضحك، والفراغ ملفوفاً بشعارات تحفيزية. هم هناك في الخارج يُنتجون الذكاء الاصطناعي، ونحن هنا نُنتَج إعلامياً من التفاهة الاصطناعية.
فلتُطوَ أجنداتكم، أيها التافهون، ولتُسحب أقلامكم من بين أيديكم، فالكلمات ليست لعبة لمن لا يفقه المعنى، ومن يتكلم بلغة “الشوارع” لا يصلح أن يُعلِّم جيلاً أنهكته العتمة وهو يبحث عن ضوء الحقيقة، لا وهج الشاشة.
فيا شباب، لا تصدّقوا أن النوم على السطح هو بداية الطريق إلى المجد، فذلك ليس حلماً، بل كابوس يُبثّ مباشرةً على “لايف”، بتمويل خارجي، وبأهداف داخلية.










































