تحول النقاش حول مشروع قانون مالية 2026 داخل مجلس النواب إلى ساحة مواجهة سياسية واقتصادية حقيقية، بعدما أقدمت فرق المعارضة على تقديم عشرات التعديلات التي مست مختلف الجوانب الضريبية والاجتماعية والبيئية، في مقابل اكتفاء فرق الأغلبية بثلاثة وعشرين تعديلًا فقط، وحرصها على الدفاع عن التوجه العام للحكومة دون إحداث تغييرات جوهرية في بنود المشروع.
و تقدمت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية وحدها بـ122 تعديلًا، متبوعة بـالفريق الاشتراكي بـ73 تعديلًا، والفريق الحركي بـ46 تعديلًا، وفريق التقدم والاشتراكية بـ38 تعديلًا، إلى جانب تعديلات فردية من برلمانيين معارضين، أبرزها 46 تعديلًا تقدمت بها النائبة فاطمة التامني عن فيدرالية اليسار.
وتجمع هذه التعديلات على هدف واحد: توجيه البوصلة المالية للحكومة نحو العدالة الاجتماعية، وحماية القدرة الشرائية، ودعم الإنتاج الوطني بدلًا من الاعتماد على الرفع من الضرائب غير المباشرة أو المديونية.
و في تفاصيل تعديلات حزب العدالة والتنمية، برزت مقترحات قوية تروم إعفاء مدخلات الصناعة الدوائية من الرسوم الجمركية لتقوية التصنيع المحلي للأدوية، مع عدم خفض رسوم الاستيراد على الأدوية التي لم تنعكس على أسعار البيع العمومية. كما اقترحت فرض نظام تصاعدي للرسوم الجمركية على الأدوية المستوردة يتناسب مع مستوى تطور الصناعة الوطنية.
وتوسعت تعديلات الحزب لتشمل إعفاءات ضريبية للمقاولات العاملة بالمناطق الجبلية والقروية، وتحفيز النساء العاملات بدوام جزئي لأسباب أسرية، فضلًا عن عدم إلغاء معاش الأرامل عند الزواج، وإطلاق وعود حكومية مجمدة مثل مدخول “كرامة” للمسنين والتعويض عن فقدان الشغل.
واقترحت المعارضة كذلك رفع الضريبة على الشركات الكبرى، خصوصًا تلك التي تحتكر أكثر من 35% من السوق الوطنية في قطاعات المحروقات والاتصالات والإسمنت، لتصل إلى 45%.
كما طالبت برفع الضرائب على المنتجات المضرة بالصحة كالسجائر الإلكترونية والشيشة، وفرض رسوم على المنتجات الغنية بالدهون والملح والأسمدة الكيماوية التي تضر بالبيئة.
وتراهن هذه المقترحات على أن تؤدي الزيادات إلى تحسين موارد الدولة دون المساس بالطبقات الوسطى والفقيرة، مع توجيه هذه المداخيل لتمويل برامج اجتماعية وتنموية أما فريق التقدم والاشتراكية فدعا إلى إحداث ضريبة سنوية على الثروة ابتداء من يناير 2026، يؤديها الأشخاص الطبيعيون وفق تصريح إرادي، وذلك بهدف المساهمة في إعادة توزيع الثروة والحد من التفاوتات.
كما اقترح رسمًا جزافيًا على استخراج واستغلال الرمال، باعتبارها موردًا طبيعيًا يُستغل بكثافة دون مقابل عادل للخزينة.
ومن جانبه، شدد الفريق الاشتراكي على ضرورة فرض ضريبة على الثروة العقارية، مقابل إعفاء عدد من المنتجات والخدمات من الضريبة على القيمة المضافة، مثل المنتجات الغذائية الخالية من الغلوتين، والأعلاف والكتب المدرسية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى العربات المخصصة للنقل المدرسي.
أما النائبة فاطمة التامني، فقد ذهبت أبعد من ذلك بالدعوة إلى ضريبة تصاعدية على الثروات الموروثة والمنتجات الفاخرة، معتبرة أن استمرار الفوارق الطبقية يعمّق الاحتقان الاجتماعي.
في المقابل، اختارت فرق الأغلبية الحكومية نهج الحذر والاكتفاء بتعديلات محدودة العدد (23 تعديلًا)، ركزت بالأساس على حماية المقاولات المغربية من المنافسة الأجنبية، من خلال الإبقاء على رسوم استيراد معينة، وعدم الرفع من الضرائب على المواد الأولية، إلى جانب بعض المقترحات المتعلقة بتحفيز الاستثمار المحلي.
ورغم الانتقادات التي وجهتها المعارضة لما اعتبرته “تواطؤًا مع مصالح اقتصادية كبرى”، تدافع الأغلبية عن اختياراتها باعتبارها “ضمانًا للاستقرار الاقتصادي وجذبًا للاستثمارات الخارجية” و النقاش حول العدالة الجبائية عاد بقوة داخل المؤسسة التشريعية، حيث رأت المعارضة أن غياب ضريبة على الثروة واستمرار الامتيازات الضريبية لفائدة بعض القطاعات “يعمق الهوة الاجتماعية”، فيما تعتبر الحكومة أن المرحلة تقتضي “التدرج والحذر المالي” في ظل الظرفية الدولية المتقلبة و بين ضريبة على الثروة ومدخول كرامة، وبين دعم المقاولات وحماية الصناعة الوطنية، يبدو أن مشروع قانون مالية 2026 لن يمرّ بسهولة، إذ تحاول المعارضة فرض رؤيتها الاجتماعية والاقتصادية كبديل حقيقي لسياسات الحكومة، بينما تتمسك الأغلبية بخطها الواقعي المتحفظ، في معركة تعكس جوهر الصراع السياسي في المغرب من يدفع الثمن، ومن يجني ثمار الإصلاح المالي.










































