في خضم الجدل الذي أعقب خسارة المنتخب المغربي لنهائي كأس أمم إفريقيا 2025 أمام السنغال، عاد اسم وليد الركراكي إلى واجهة النقاش العمومي، ليس فقط كمدرب خسر مباراة نهائية، بل كعنوان لإشكال أعمق يهم طريقة التقييم، ومنطق المحاسبة، وحدود الصبر في مشروع كروي وطني يفترض أنه طويل النفس.
تحليل وضع الركراكي اليوم يفرض استحضار معطى أساسي: الرجل لم يأتِ من فراغ، ولم تُبنَ مكانته على الصدفة. إنجاز مونديال 2022، بوصول المغرب إلى نصف النهائي، لم يكن مجرد نتيجة عابرة، بل لحظة مفصلية أعادت تعريف صورة الكرة المغربية قارياً وعالمياً. غير أن كرة القدم، خصوصاً في منطقتنا، لا تعترف كثيراً بالتراكم، بقدر ما تحاكم اللحظة الأخيرة، والنتيجة الأقرب زمنياً.
الخسارة في نهائي “الكان” أمام السنغال بنتيجة هدف دون رد بعد التمديد، رغم قسوتها الرمزية، تظل خسارة في مباراة متوازنة حُسمت بتفاصيل صغيرة. ومع ذلك، تحوّلت هذه النتيجة إلى مبرر لإعادة فتح ملف المدرب، وكأن كأس إفريقيا اختُزلت في لقب أو لا شيء، دون اعتبار لمسار المنتخب، أو لطبيعة المنافسة، أو حتى لحجم الضغط الذي رافق البطولة، خاصة في ظل انتظار دام نصف قرن.
من زاوية تحليلية، يبدو أن الإشكال لا يرتبط فقط بالركراكي، بل بثقافة التسيير الكروي ذاتها. فحين يُوضع المدرب أمام شرط وحيد هو التتويج، يصبح المشروع رهينة لنتيجة نهائية، لا لمسار تقني أو رؤية استراتيجية. هذا المنطق قد يُرضي الرأي العام مؤقتاً، لكنه غالباً ما يُربك الاستمرارية، ويدخل المنتخبات في دوامة تغييرات متكررة، لا تتيح بناء هوية لعب مستقرة.
التقارير التي تتحدث عن وجود أسماء مرشحة لخلافة الركراكي، سواء مدرب وطني أو أجنبيين، تعكس استعداداً مؤسساتياً لسيناريو القطيعة أكثر مما تعكس نقاشاً هادئاً حول التقييم. والسؤال الجوهري هنا: هل الإشكال في المدرب أم في سقف الانتظارات الذي لم يعد واقعياً؟ وهل تغيير الربان في هذه المرحلة، قبل مونديال 2026، سيمنح المنتخب قيمة مضافة حقيقية أم مجرد مسكن نفسي؟
تصريح الركراكي السابق، حين قال إن عقده “يمتد إلى كأس العالم 2026، لكن إذا لم يفز بكأس إفريقيا فسيكون إلى كأس إفريقيا”، يبدو اليوم كأنه نبوءة ذاتية التحقق. غير أن خطورة هذه النبوءة لا تكمن في تحققها، بل في كونها تعكس إدراكاً مسبقاً لطبيعة الضغط، ولمنطق لا يرحم حتى من صنع التاريخ.
في النهاية، النقاش الحقيقي لا يجب أن ينحصر في اسم وليد الركراكي، بل في سؤال أعمق: أي منتخب نريد؟ منتخب نتائج ظرفية أم منتخب مشروع؟ لأن كرة القدم الحديثة لا تُبنى بالإقالات السريعة، بل بالاستقرار، والنقد العقلاني، والقدرة على الفصل بين خيبة الإخفاق، وضرورة البناء للمستقبل.










































