تشهد الساحة المهنية بالمغرب موجة غير مسبوقة من الإضرابات والاحتجاجات، في لحظة سياسية حساسة تتزامن مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية. فبعد سنوات من الهدوء النسبي، عادت قطاعات مهنية كبرى إلى التصعيد، معلنة رفضها لسياسات ومشاريع قوانين تعتبرها مهدِّدة لاستقرار المهن وللتوازنات المؤسساتية. وفي مقدمة هذه القطاعات، الصيادلة والعدول، إلى جانب توتر متصاعد في أوساط المحامين، ما يعكس حالة احتقان آخذة في الاتساع.
التمثيليات النقابية لصيادلة المغرب أعلنت خوض إضرابات وطنية متتالية مع اعتماد تصعيد تدريجي في مدة التوقف عن العمل، احتجاجاً على توصية صادرة عن مجلس المنافسة تدعو إلى تحرير رأسمال الصيدليات. هذه التوصية فجّرت غضب المهنيين الذين اعتبروها مساساً بجوهر المهنة وتهديداً مباشراً لمنظومة الدواء برمتها.
في بلاغ مشترك، شددت النقابات على أن الصيدلية ليست مجرد نشاط تجاري، بل مرفق صحي يخضع لاعتبارات أخلاقية وعلمية دقيقة، وأن فتح رأسمالها أمام الرساميل الكبرى والشركات الاستثمارية سيحوّل الدواء إلى سلعة خاضعة لمنطق الربح. واعتبر الصيادلة أن سيادة الصيدلي على مؤسسته تشكل الضامن الوحيد لحياد الاستشارة الطبية، محذرين من أن دخول “لوبيات المال” سيُخضع القرار الصحي لحسابات تجارية بحتة.
وترى الهيئات المهنية أن تحرير القطاع سيؤدي إلى تركّز الصيدليات في المدن الكبرى حيث الجدوى الاقتصادية أعلى، مقابل تراجع التغطية في المناطق القروية والنائية، ما يهدد مبدأ العدالة المجالية والحق الدستوري في الولوج إلى العلاج. كما أكدت أن إصلاح القطاع يجب أن ينطلق من معالجة اختلالاته البنيوية، لا من إغراقه في منافسة غير متكافئة قد تعصف باستقرار آلاف الصيدليات الصغرى.
وفي خطوة تعكس منسوب التوتر، أعلنت النقابات تنظيم إضراب وطني عام سيتم تحديد تاريخه قريباً، مع فتح قنوات التنسيق مع طلبة كليات الصيدلة تحضيراً لأشكال نضالية مشتركة. رسالة الصيادلة واضحة: لا إصلاح دون إشراك فعلي للمهنيين، ولا قبول بتغييرات يعتبرونها “مسمومة” تمس مستقبلهم ومصلحة المرضى.
على جبهة أخرى، دخل عدول المغرب في إضراب وطني لمدة أسبوع، احتجاجاً على مقتضيات مشروع القانون 16.22 المنظم للمهنة، الذي يرون أنه يحمل تداعيات خطيرة على استقرار المنظومة التوثيقية والأمن التعاقدي بالمملكة. وقد تقرر شلّ العمل التوثيقي ما بين 2 و10 مارس، مع الإعلان عن إضراب إضافي يومي 18 و19 أبريل، في تصعيد يعكس عمق الخلاف مع الحكومة.
العدول يعتبرون أن مشروع القانون، بصيغته الحالية، يتجاوز كونه تعديلاً تنظيمياً عادياً، ليطرح إشكالات بنيوية تمس توازن المهنة وأدوارها التاريخية في تأمين المعاملات وصون الحقوق. وترى الهيئة الوطنية للعدول أن بعض المقتضيات تميل إلى الطابع الزجري وتُخلّ بالتوازن بين الحقوق والواجبات، دون توفير ضمانات مهنية كافية توازي حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق العدل.
سعيد الصروخ، رئيس المجلس الجهوي لعدول استئنافية طنجة وعضو المكتب التنفيذي للهيئة، أكد أن المهنيين قدموا مذكرات تفصيلية ومقترحات تعديل منذ المراحل الأولى لمناقشة المشروع، غير أن هذه المقترحات لم تجد التفاعل المطلوب، ما عمّق الإحساس بانسداد أفق الحوار. وشدد على أن الإضراب ليس خياراً مبدئياً، بل نتيجة مباشرة لغياب معالجة تشاركية حقيقية.
من جانبه، أشار إدريس الطرالي، رئيس المجلس الجهوي لعدول استئنافية بني ملال، إلى أن أي اختلال تشريعي في مجال التوثيق ستكون له انعكاسات مباشرة على الثقة في الوثيقة العدلية، وعلى استقرار العلاقات الأسرية والعقارية والمالية، بما قد يمس التماسك المجتمعي. وأكد أن العدول لا يعارضون مبدأ الرقابة أو المحاسبة، بل يطالبون بتوازن منصف يحفظ استقلاليتهم المهنية ويضمن جودة الخدمة المقدمة للمواطنين.
وفي سياق موازٍ، تعرف بعض هيئات المحامين بدورها توترات مرتبطة بمشاريع قوانين وإصلاحات تمس منظومة العدالة، ما يعزز الانطباع بوجود موجة احتجاج مهني عابرة للقطاعات. وبين الصيادلة والعدول والمحامين، تبدو الحكومة أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في احتواء غضب فئات تعتبر نفسها شريكاً أساسياً في تنزيل السياسات العمومية.
هذا التصاعد المتزامن في الإضرابات يطرح تساؤلات حول منهجية الإصلاح المعتمدة ومدى إشراك الفاعلين المعنيين في صياغة النصوص التنظيمية. فالمهنيون يجمعون على أن الحوار المؤسساتي لم يبلغ المستوى المطلوب، وأن مشاريع القوانين تُدفع نحو المصادقة دون استيعاب كافٍ للتحفظات المطروحة.
ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، تتحول هذه الاحتجاجات إلى مؤشر سياسي واجتماعي لا يمكن تجاهله. فشلّ العمل في الصيدليات أو مكاتب التوثيق لا ينعكس فقط على المهنيين، بل يمتد أثره إلى المواطنين ومعاملاتهم اليومية. وبين منطق الإصلاح الذي ترفعه الحكومة، ومنطق الدفاع عن المكتسبات الذي تتبناه الهيئات المهنية، يبقى الرهان معقوداً على إعادة فتح قنوات الحوار لتفادي مزيد من الاحتقان، وضمان توازن دقيق بين تحديث القوانين وحماية استقرار القطاعات الحيوية في البلاد.










































