انصبت أشغال ندوة علمية دولية، انطلقت يوم الأربعاء بالجامعة الأورو متوسطية بفاس، على سبل تجسيد الرؤية الملكية في مجال السيادة المائية، بمشاركة أكاديميين وباحثين وخبراء مغاربة وأجانب، لمناقشة التحديات المرتبطة بالترابط بين الماء والطاقة والفلاحة.
وينظم هذا اللقاء بمبادرة من الجامعة الأورو متوسطية بفاس وأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، بشراكة مع مجموعة الأكاديميات من أجل التنمية، والمركز الدولي للدراسات الفلاحية العليا بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، وعدد من الأكاديميات العلمية الأوروبية، بهدف بلورة حلول عملية للتحديات المتداخلة في مجالات الماء والطاقة والأمن الغذائي.
وفي كلمة خلال الجلسة الافتتاحية، شدد الأمين الدائم لأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، عمر الفاسي الفهري، على ضرورة تجاوز المقاربة المجزأة في تدبير الموارد.
وأوضح أن تدبير الماء والطاقة والفلاحة بشكل منفصل لا يؤدي إلا إلى نقل الإكراهات من مجال إلى آخر، مؤكدا أن البحث العلمي مدعو إلى الربط بين هذه الأبعاد الثلاثة من أجل بلورة حلول متكاملة وفعالة.
وذكر الفاسي الفهري بأن حصة الفرد من الموارد المائية المتاحة في المغرب انخفضت إلى أقل من ثلث مستواها السابق على مدى العقود الماضية، وهو وضع تفاقمت حدته بفعل توالي فترات الجفاف.
وفي المقابل، أبرز نجاعة التدابير الاستباقية التي اعتمدتها المملكة، ولا سيما البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي، ومشروع الطريق السيار للماء الرابط بين حوضي سبو وأبي رقراق، وتثمين المياه العادمة المعالجة، فضلا عن الاستراتيجية الفلاحية “الجيل الأخضر”.
واستعرض الأمين الدائم أربعة محاور علمية متكاملة من شأنها مواكبة هذه السياسات العمومية وتعزيز فعاليتها.
وتشمل هذه المحاور، تحسين النجاعة الطاقية لتقنية التناضح العكسي، وتثمين المحلول الملحي الناتج عن تحلية مياه البحر وفق مبادئ الاقتصاد الدائري، بما يسهم في حماية النظم الإيكولوجية البحرية، فضلا عن تطوير الفلاحة القائمة على الذكاء الاصطناعي، وتعزيز البحث الفلاحي والجيني لاختيار أصناف نباتية ملائمة للمناخ الجاف.
من جانبه، أكد رئيس الجامعة الأورو متوسطية بفاس ومستشار أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، مصطفى بوسمينة، أن تنظيم هذه الندوة يندرج في سياق مواصلة تفعيل التوجيهات الملكية التي وضعت قضايا الماء والتنمية المستدامة في صلب الأولويات الوطنية.
وسلط بوسمينة الضوء على المحاور الرئيسية للاستراتيجية المغربية القائمة على الترابط بين الماء والطاقة والفلاحة، مذكرا بأن الدينامية الاقتصادية للمملكة تتواصل في سياق يتسم بندرة الموارد المائية، وباعتماد على مصادر الطاقة الخارجية تبلغ نسبته 88 في المائة.
وفي مواجهة هذه الإكراهات، استعرض بوسمينة الأهداف الوطنية في مجال تحلية مياه البحر، التي يرتقب أن تبلغ طاقتها الإجمالية 1,8 مليار متر مكعب سنويا في أفق سنة 2030.
وأوضح أن هذه الطاقة الإنتاجية المبرمجة ستتيح تلبية 50 في المائة من حاجيات السكان من الماء الصالح للشرب، مع ضمان التغطية الكاملة للاحتياجات الحضرية، فيما ستخصص 30 في المائة من المياه المنتجة للري الفلاحي، و20 في المائة للقطاع الصناعي.
وعلى المستوى الطاقي، أبرز بوسمينة الاستثمارات المبرمجة في مجال الهيدروجين الأخضر، التي تقدر قيمتها بـ32 مليار دولار.
وأشار إلى أن هذا البرنامج الصناعي سيوجه، بالدرجة الأولى، نحو إنتاج الأمونيا الخضراء، بهدف بلوغ مليون طن سنة 2027، ثم ثلاثة ملايين طن في أفق سنة 2032، بما يسهم في خفض البصمة الكربونية لإنتاج الأسمدة الوطنية وتعزيز استقلالية القطاع الفلاحي بالمملكة.
كما شدد على ضرورة تطوير المغرب تكنولوجياته الخاصة، مستحضرا في هذا السياق الأبحاث التطبيقية التي تجريها الجامعة الأورو متوسطية بفاس في مجالات التصنيع المحلي للمحللات الكهربائية، وتصميم البطاريات ذات الإلكتروليت الصلب، وتطوير أغشية ترشيح نانوية، بهدف خفض تكلفة تحلية مياه البحر والحد من آثارها البيئية.
وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أشاد الرئيس الفخري لأكاديمية الفلاحة الفرنسية ونائب رئيس مجموعة الأكاديميات من أجل التنمية، جاك بروييه، بالدور الريادي الذي يضطلع به المغرب في استخدام المياه المحلاة لأغراض فلاحية.
وأعلن، في هذا الصدد، عن إطلاق مبادرات للتعاون في مجال البحث العلمي، وبرامج لتبادل الأساتذة والطلبة بين الجامعة الأورو متوسطية بفاس ومؤسسات جامعية فرنسية.
وتتواصل أشغال هذه الندوة العلمية، المنظمة على مدى يومين، من خلال جلسات نقاش يشارك فيها خبراء، وتتناول التكنولوجيات المتقدمة، والطاقات المتجددة، وآليات تمويل الفلاحة المستذامة بحوض المتوسط.








