أصدر مجلس المنافسة خلال سنة 2024 ما مجموعه 174 قرارًا ورأيًا، همّت مختلف مجالات اختصاصاته، وفي مقدمتها مراقبة التركيزات الاقتصادية التي مثّلت أزيد من 93 في المائة من مجموع قراراته. ويؤكد هذا المعطى أن المراقبة الاحترازية لعمليات الاندماج والاستحواذ باتت تشكّل النشاط الأبرز للمجلس، في سياق حرصه على ضمان عدالة السوق وحماية تنافسية الاقتصاد الوطني.
و نظر المجلس في تسعة ملفات ذات طابع نزاعي، بينها ملف يتعلق بشبهات ممارسات منافية للمنافسة في سوق الأداء الإلكتروني، وآخر يرتبط بعدم احترام شركة متعددة الجنسيات تنشط في قطاع التدبير المفوض للخدمات العمومية لالتزاماتها بخصوص الاستحواذ على شركة أخرى في القطاع نفسه، مع نقل جزء من أنشطتها وأصولها. وقد شكل هذا الملف مناسبة لتفعيل مقتضيات المادة 36 من القانون 114.12 لأول مرة، وهو ما اعتُبر خطوة نوعية في تكريس سلطات المجلس الرقابية.
كما قام المجلس خلال السنة ذاتها بعدد من المبادرات الذاتية، من بينها التحقيق في عمليات تركيز اقتصادي نُفذت دون ترخيص مسبق، إضافة إلى مباشرة أول عملية زيارة وحجز مفاجئة في تاريخه، وذلك في إطار ملف تنازعي يخص سوق خدمات التوصيل إلى المنازل عبر التطبيقات، وهو إجراء يعكس تشددًا أكبر في المراقبة والتتبع.
على المستوى الاستشاري، أصدر المجلس ثلاثة آراء خلال سنة 2024. الأول جاءا في إطار مبادرة منه، وتركزا على دراسة السير التنافسي في سوق الكهرباء وسوق الخضر والفواكه، أما الرأي الثالث فصدر استجابة لطلب من مجلس النواب، وتعلّق بتحليل وضعية سوق الأعلاف المركبة.
وقد خلص المجلس في هذا السياق إلى أن سوق الأعلاف يعرف هيمنة كبيرة من قبل ثماني شركات رئيسية تستحوذ مجتمعة على حوالي 75 في المائة من الحصة الإجمالية، ما يضع باقي الفاعلين الصغار والمتوسطين في موقع ضعف، ويؤثر بشكل مباشر على المربين وسلسلة الإنتاج الحيواني برمتها. كما اعتبر أن هذه الوضعية تفرض إصلاحات هيكلية عاجلة، من خلال تشجيع الإنتاج المحلي، وتحسين البنية التحتية اللوجستية، وتعزيز آليات التجميع والتعاونيات الفلاحية قصد رفع القدرة التفاوضية وتقليص تكاليف الاستيراد.
وفي السياق نفسه، شدد المجلس على أن فتح سوق الكهرباء بشكل أكثر تنافسية من شأنه أن يدعم تنافسية المقاولات ويقلص من تكاليف الإنتاج، داعيًا إلى اعتماد مقاربة إصلاحية متدرجة تراعي خصوصيات القطاع وتحديات التحول الطاقي. أما بخصوص سوق الخضر والفواكه، فقد ركّز المجلس على ضرورة معالجة أعطاب سلاسل التوزيع والحد من الوسطاء بما يضمن استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمستهلكين.
يظهر من حصيلة سنة 2024 أن مجلس المنافسة لم يكتف بالقيام بدوره التقليدي في البت في ملفات التركيزات الاقتصادية، بل توسع في مجال التحقيقات الذاتية والعمليات الميدانية، في خطوة تعكس دينامية جديدة تعزز حضوره كهيئة دستورية فاعلة. كما أن الآراء الاستشارية التي أصدرها تكشف عن اختلالات بنيوية في أسواق استراتيجية، على رأسها الأعلاف والكهرباء والخضر والفواكه، وهي قطاعات ترتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي والطاقة والقدرة الشرائية للمغاربة.
بهذا، يواصل المجلس ترسيخ مكانته كجهاز يقف في قلب المعادلة الاقتصادية الوطنية، بين حماية المنافسة وتقديم مقترحات إصلاحية لأسواق حيوية تحتاج إلى مزيد من الانفتاح والشفافية.









































