شهد ملف الصحراء المغربية تحولات جذرية خلال 26 سنة من حكم جلالة الملك محمد السادس، نقلت القضية من منطق الدفاع إلى استراتيجية المبادرة، وجعلت من الأقاليم الجنوبية للمملكة منصات تنموية واستثمارية، ومراكز حيوية للربط الإقليمي والدولي. ومنذ اعتلاء العاهل المغربي العرش سنة 1999، تبنت المملكة مسارا جديدا يقوم على اقتراح حلول واقعية، وتعزيز الوجود الميداني، وقيادة دبلوماسية نشطة مكنت من تحقيق اختراقات سياسية غير مسبوقة على الساحة الدولية.
التحول الكبير في تعاطي المغرب مع ملف الصحراء تمثل في تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، كخيار سياسي واقعي ومتقدم لحل النزاع الإقليمي المفتعل، وهي المبادرة التي لقيت دعما واسعا من قبل المجتمع الدولي، إذ أيدتها أكثر من 110 دول في الأمم المتحدة، وأعلنت قوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وإسبانيا، وفرنسا، وألمانيا، تأييدها الصريح لها.
العمل الميداني الموازي لهذا التوجه السياسي والدبلوماسي، تمثل في إطلاق مشاريع تنموية كبرى داخل الأقاليم الجنوبية، حيث جرى تنفيذ البنيات التحتية الأساسية، وتطوير قطاعات الطاقات المتجددة، والفلاحة، والصيد البحري، مما أعطى لهذه الأقاليم بعدا وظيفيا واستراتيجيا، وجعلها قاعدة للربط الاقتصادي مع القارة الإفريقية. هذه الدينامية التنموية، التي انطلقت بشكل مؤسساتي منذ إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015، جسدت توجه المغرب نحو ترسيخ الجهوية المتقدمة انطلاقا من الصحراء، كمدخل لتطبيق مبادرة الحكم الذاتي على أرض الواقع.
من الناحية السياسية، ساهمت الدبلوماسية الملكية في كسر الجمود الذي عرفه مسلسل التسوية الأممي منذ فشل خطة التسوية الأممية واتفاق الإطار لجيمس بيكر. فمع صدور القرار الأممي 1359 سنة 2000، بدأ منحى جديد للأمم المتحدة في التعاطي مع الملف، يقوم على الطرح الواقعي والمتوافق عليه، وهو ما تعزز لاحقا من خلال قرارات متتالية أبرزها القرار 1754 ثم القرار الأخير رقم 2703، والتي أكدت على ضرورة حل سياسي واقعي ومتوافق عليه، وأقرت دور الجزائر كطرف مباشر وأساسي في النزاع.
تزايد عدد الدول التي فتحت قنصليات تمثيلية لها في مدينتي العيون والداخلة، ليبلغ قرابة أربعين قنصلية، عكس الزخم الدولي المتصاعد في الاعتراف بمغربية الصحراء، وساهم في عزل الكيان الانفصالي على الصعيدين الأممي والقاري. هذا الزخم تعزز بإعلان عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها إسبانيا، تأييدها الواضح لمبادرة الحكم الذاتي، في تحول تاريخي بالنظر إلى المسؤولية التاريخية لإسبانيا في الملف.
إفريقيا بدورها أصبحت فضاء ميدانيا لتعزيز موقف المغرب، خاصة بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وتبني القرار التاريخي 693 في قمة نواكشوط سنة 2018، الذي حصر صلاحية معالجة النزاع في الأمم المتحدة، وساهم في الحد من استغلال خصوم المغرب للمؤسسات الإفريقية في الترويج للانفصال. وبفضل هذا التحول، بات المغرب يلعب أدوارا مركزية داخل أجهزة الاتحاد، لا سيما مجلس السلم والأمن الإفريقي، فيما أصبح قرابة ثلثي دول الاتحاد الإفريقي تؤيد الطرح المغربي.
إلى جانب ذلك، أطلقت المملكة مبادرات استراتيجية لتعزيز موقعها الإقليمي، أبرزها المبادرة الملكية الأطلسية الموجهة لدول الساحل، ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، الذي يربط المملكة بعشرين دولة إفريقية، ويعزز من عمقها الجيوسياسي. هذه المبادرات مكنت المغرب من تعزيز روابطه الاقتصادية والأمنية مع القارة، وتقويض هامش المناورة لدى الجزائر وجبهة البوليساريو، وسط انسداد سياسي متزايد للمشروع الانفصالي.
بعد أكثر من ربع قرن من الإصلاحات العميقة في مختلف المجالات، يتأكد أن المغرب لم يكتف بتدبير نزاع إقليمي، بل حوله إلى ورش استراتيجي متعدد الأبعاد، ينخرط فيه كل من الحسم الميداني، والتحول الدبلوماسي، والرؤية التنموية. هذا التراكم يجعل من مبادرة الحكم الذاتي الخيار الوحيد الممكن، ليس فقط لأنه يحظى بإجماع داخلي واسع، بل لأنه بات واقعا سياسيا وتنمويا تتقاطع حوله الإرادات الدولية.










































