أكد عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية، أن المقتضيات الجديدة التي حملها مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25، المتعلق بتعديل بعض أحكام القانون التنظيمي رقم 27.11 الخاص بمجلس النواب، تأتي في سياق مواجهة التحولات العميقة التي تعرفها الساحة الرقمية وحماية العملية الانتخابية من أي تدخل أجنبي أو تأثير غير مشروع. وشدد الوزير خلال المناقشة التفصيلية لمشاريع القوانين الانتخابية بلجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بمجلس النواب، على أن هذه التعديلات لا تستهدف الحد من حرية التعبير، بل تهدف إلى تحصين المسلسل الديمقراطي من المخاطر التي باتت تفرضها أدوات التواصل الحديثة والذكاء الاصطناعي.
وأوضح لفتيت أن الدول الديمقراطية أصبحت تعتمد سياسات وقوانين واضحة تمنع التمويل الخارجي للمحتويات السياسية المنشورة على المنصات الرقمية، نظرًا لما قد يمثله ذلك من تأثير مباشر على اختيارات الناخبين وعلى مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين. وأضاف أن النشر العادي والمجاني على شبكات التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”تيك توك” يظل حقًا مكفولًا ولا يطرح أي إشكال، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في الأداء المالي لمنصات أجنبية من أجل الترويج لمحتويات سياسية أو انتخابية مدفوعة الثمن، لما يحمله ذلك من شبهات تدخل خارجي قد يؤثر على شفافية الاستحقاقات.
وأشار وزير الداخلية إلى أن هذه الضوابط الجديدة جاءت استجابة لتطور غير مسبوق في التقنيات الرقمية، التي أضحت تتيح إمكانية إنتاج محتويات مضللة وتوجيه الرأي العام بطرق يصعب كشفها أو تتبع مصادرها. واستحضر الوزير في هذا السياق الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي أصبحت قادرة على خلق صور وفيديوهات وصوتيات مزيفة يصعب على المواطن العادي التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي. وهو ما يجعل من الضروري، بحسبه، وضع آليات قانونية واضحة تضمن حماية العملية الانتخابية من كل أشكال التدخل أو التضليل.
وتنص المادة 40 من مشروع القانون على فرض غرامات تتراوح بين 50 ألفًا و100 ألف درهم على كل من قام بنشر إعلانات انتخابية مؤدى عنها على منصات أو مواقع إلكترونية أجنبية، أو علق إعلانات انتخابية خارج الأماكن المحددة لها قانونًا. ويأتي هذا الإجراء مكمّلًا لمقتضيات المادة 32 التي توكل للسلطة الإدارية المحلية مهمة تحديد فضاءات مخصصة لتعليق الملصقات الانتخابية، مع ضمان مساحات متساوية لجميع اللوائح والمترشحين في احترام لمبدأ تكافؤ الفرص.
كما تضمن المشروع مقتضيات أكثر صرامة في ما يتعلق بالعقوبات المرتبطة بالأخبار الزائفة والإشاعات التي قد تمس نزاهة التصويت. إذ يعاقب القانون بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة مالية تتراوح بين 50 ألفًا و100 ألف درهم كل شخص قام، بأي وسيلة كانت، بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو التطبيقات الإلكترونية، بنشر أو إذاعة أو بث أخبار زائفة أو مضللة تتعلق بالتصويت. ويهدف هذا التشديد إلى التصدي لظاهرة “الحقائق المصنعة” التي باتت إحدى أخطر الأدوات المستخدمة للتأثير في رأي الناخبين.
وفي رده على الانتقادات التي تتحدث عن تضييق أو تشكيك في نزاهة المسار الانتخابي، أكد وزير الداخلية أن الهدف من هذه الإجراءات ليس الحد من حرية التعبير ولا تقييد العمل الصحافي، بل ضمان عدم استغلال هذه الحريات للإضرار بنزاهة الانتخابات. وقال لفتيت: “من حقك أن تكتب ما تريد وأن تقول إن هناك تزويرًا، ولكن إذا تمت متابعتك فيجب تقديم الدليل”. وهو تصريح يعكس، بحسب متتبعين، رغبة الحكومة في الحفاظ على توازن دقيق بين حماية حرية الرأي وبين ضمان عدم استخدام هذه الحرية لنشر المغالطات أو التشهير دون سند قانوني.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أوضح الوزير أن الإصلاحات التي تعرفها المنظومة الانتخابية تنطلق من رؤية شمولية تهدف إلى تعزيز الشفافية والمصداقية وتحصين الممارسة السياسية من الشبهات. كما أكد أن الهدف الأساسي هو بناء منظومة انتخابية متماسكة تمنع الاختلالات قبل وقوعها، بدل الاكتفاء بمعالجتها بعد حدوثها من خلال الطعون أو الإجراءات القضائية. وفي هذا الإطار شدد لفتيت على أن التشريعات الجديدة لا تلغي حق الطعن الانتخابي، لكنها تجعل اللجوء إليه خيارًا استثنائيًا، وفق ضوابط دقيقة تضمن تكافؤ الفرص بين الجميع.
وعلاقة بملف التحفيزات المالية المخصصة لتشجيع ترشيحات الشباب، أوضح وزير الداخلية أن هذه التحفيزات ستصرف وفق معايير مضبوطة وشفافة، تروم دعم مشاركة فئة الشباب والنساء في العمل التشريعي وتعزيز تجديد النخب السياسية. واعتبر أن هذه المبادرة تأتي في سياق التوجيهات الوطنية الهادفة إلى إشراك الكفاءات الشابة في المؤسسات التمثيلية.
ويرى مراقبون أن التعديلات الجديدة تعكس إرادة سياسية واضحة لتحديث المنظومة الانتخابية المغربية وجعلها ملائمة للتحديات التي يفرضها العصر الرقمي. كما تسعى، وفق خبراء، إلى تحقيق توازن صعب بين حماية حرية التعبير وبين حماية العملية الانتخابية من كل أشكال التضليل أو التأثير غير المشروع، خاصة في ظل تنامي خطورة الأخبار الزائفة والمواد المفبركة التي تنتشر بسرعة على المنصات الاجتماعية.
وتشكل هذه الإصلاحات خطوة إضافية في مسار تعزيز نزاهة وشفافية الانتخابات بالمغرب، عبر إقرار قواعد جديدة تهدف إلى ضبط المجال الرقمي والحد من تأثيراته السلبية المحتملة، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم المساس بالحقوق الأساسية للمواطنين وحرية الصحافة والرأي. وبذلك يكون المشرع المغربي قد اختار مواجهة التحديات الرقمية المعاصرة عبر آليات قانونية واضحة، تستجيب لمتطلبات حماية الديمقراطية وتصون إرادة الناخبين في ظل تحول المشهد الإعلامي والاتصالي بشكل غير مسبوق.










































