في كرة القدم الحديثة، تتحول لائحة المنتخب من مجرد أسماء إلى ورقة سياسية–تقنية، تُقرأ كما يُقرأ بيان رسمي. ومع كل إعلان جديد، يتجدد الجدل: هل اختار المدرب ما يريده الجمهور، أم ما تفرضه قناعاته؟
غير أن وليد الركراكي هذه المرة لم يترك مجالاً للغموض. رسالته كانت مباشرة: “خديت اللعابة اللي بغيت أنا”. عبارة تختصر فلسفة مدرب يراهن على مشروع طويل الأمد، وليس على تصفيق اللحظة.
يُدرك الركراكي أنّ اختياراته لن تُرضي الجميع، وأن لائحة المنتخب، مهما كانت، ستظل مثار نقاش. لكنه قدّم موقفاً واضحاً: مهمة المدرب ليست إسعاد الجمهور، بل اختيار المجموعة القادرة على الفوز.
هو لا يتحدى الرأي العام، لكنه يذكره بأنّ من يعمل داخل المنتخب يرى ما لا يراه المتفرج العادي: الانسجام، الانضباط، الدينامية الداخلية، والقدرة على تحمل ضغط بطولة تستمر شهراً كاملاً.
حين قال الركراكي إن الفريق مبنيّ منذ سنتين، فهو لم يكن يدافع—بل يذكّر. تسعة عشر فوزاً وتعادل واحد، منذ كأس إفريقيا السابقة، ليست مجرد إحصائيات؛ إنها دليل على أنّ الاستمرارية ليست ترفاً.
لذلك، حين يختار الحفاظ على الهيكل القديم، فهو لا يتجاهل الأداء الحالي بقدر ما يعطي الأولوية لمن يعرفون النظام، والروح، والمعسكر، وطقوس المنتخب.
أكثر نقطة أثارت الانتباه كانت مخاطرة المدرب بإبقاء حمزة إيغامان في الاحتياط رغم إصابته. هنا تظهر فلسفة الركراكي بوضوح:
هو لا يراهن على لاعب مصاب، بل على سياق: لاعب عاش تطور المنتخب، يعرف المجموعة، وقد يصنع الفارق حتى لو لعب دقائق فقط.
هذه ليست رومانسية كروية، بل حسابات نفسية وتقنية؛ فالمدرب يفضّل الاعتماد على عنصر منسجم مع نظامه بدل استدعاء لاعب جديد فقط لأنه جاهز بدنياً.
انتقاد آخر طال اللائحة: لماذا لم يتم استدعاء مزيد من اللاعبين الشباب؟
لكن الأرقام التي ذكرها وليد تكذّب الانطباع: خمسة لاعبين تحت 21 سنة، ومعهم جيل الأولمبياد، والفئة التي يُهيَّأ نصفها لكأس العالم 2030.
هذه ليست صدفة؛ بل استراتيجية تحاول الجمع بين الضغط الفوري وأفق 6 سنوات.
الركراكي يصر على 26 لاعباً فقط، مع أن القوانين تسمح بأكثر.
من يتابع المنتخب يعرف أن تعدد الأسماء يخلق دوائر هامشية، ويزيد من صعوبة تسيير المجموعة.
المدرب يريد فريقاً متقارباً في القيمة، حيث كل عنصر قابل للعب فعلاً، وليس مجرد رقم في اللائحة.
رغم صرامته في الاختيارات، يظل وليد وفياً لنبرة يعرفها المغاربة:
“عندنا أحسن جمهور فالعالم… وغادي نفوزو كاملين.”
الجمهور هنا ليس مجرد سند؛ بل شريك في المعركة، عنصر يرفع منسوب الضغط لكنه أيضاً يزيد من حجم الطموح.
ما يقدمه الركراكي اليوم ليس خطاباً شعبياً، بل إعلاناً لمبدأ واضح:
المدرب يتخذ القرار، ويتحمل مسؤوليته حتى النهاية.
هو يعرف أن الهامش ضيق، وأن أي تعثر سيُقرأ كخطأ في الاختيارات. لكنه مع ذلك يتقدم بثقة، لأنه يرى المشروع قبل أن يرى الجدل.
في النهاية، قد نختلف حول اللائحة، وقد نتساءل عن هذا الاسم أو ذاك. لكن المؤكد أن وليد يقدم درساً بطريقته:
أن النجاح لا يبنى بالض noise، بل بالانسجام، بالثقة، وبالقدرة على اتخاذ القرار حين يخاف الآخرون.










































