تستضيف واشنطن يومي 23 و24 فبراير 2026 جولة جديدة من المفاوضات غير الرسمية بشأن ملف الصحراء المغربية، في سياق تحرك دبلوماسي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بهدف الدفع نحو تسوية سياسية للنزاع الذي طال أمده. وتعد هذه الجولة الثالثة خلال شهر واحد، بعد اجتماعين سابقين احتضنتهما العاصمة الأمريكية نهاية يناير، ومدريد قبل أسبوعين، ما يعكس تسارعا لافتا في وتيرة المشاورات.
و جاء التحرك الأمريكي الجديد الذي يقوده مسعد بولس، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أفريقيا، والذي كان قد عبر خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن عن تفاؤله بإمكانية تحقيق اختراق ملموس قبل حلول الصيف المقبل. ويأتي هذا الزخم في ظل إدراك متزايد داخل الأوساط الدولية بضرورة تجاوز حالة الجمود التي طبعت المسار السياسي خلال السنوات الماضية، وإعادة إطلاق دينامية تفاوضية أكثر واقعية وبراغماتية.
وتجمع المفاوضات الحالية وفودا رفيعة المستوى من الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع: المغرب، الجزائر، جبهة البوليساريو وموريتانيا. ويقود الوفد المغربي وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، فيما يمثل الجزائر وزير خارجيتها أحمد عطاف، إلى جانب مشاركة السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، في محاولة لربط المسار الأمريكي بالجهود الأممية الجارية تحت مظلة الأمم المتحدة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن جدول الأعمال يركز أساسا على مناقشة نسخة محدثة ومفصلة من مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، في صيغة موسعة تقارب أربعين صفحة، تتضمن تصورا دقيقا لاختصاصات الجهة وآليات تدبيرها وعلاقتها بالمؤسسات المركزية، إضافة إلى ضمانات سياسية وقانونية تروم طمأنة مختلف الأطراف.
و يأتي طرح النسخة المحينة من مقترح الحكم الذاتي في سياق سعي الرباط إلى تعزيز الطابع العملي لمبادرتها، التي سبق أن وصفتها عدة قوى دولية بأنها “جدية وذات مصداقية”. ووفق مصادر دبلوماسية، فإن الوثيقة الجديدة تتضمن توضيحات موسعة بشأن توزيع الصلاحيات، وضمان تمثيلية الساكنة المحلية في تدبير شؤونها، مع التأكيد على احترام السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.
في المقابل، تحضر الجزائر إلى هذه الجولة في ظل تمسكها بموقفها الداعي إلى “حل يضمن حق تقرير المصير”، بينما تشارك جبهة البوليساريو في إطار المشاورات غير الرسمية، وسط استمرار التباين في الرؤى حول طبيعة الحل النهائي. أما موريتانيا، فتلعب دور الطرف المراقب المعني باستقرار المنطقة، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل.
و يعكس التحرك الأمريكي المتجدد رغبة واشنطن في لعب دور أكثر فاعلية في هذا الملف، مستفيدة من علاقاتها مع مختلف الأطراف، ومن ثقلها داخل مجلس الأمن. ويُنظر إلى هذا المسار على أنه محاولة لخلق أرضية تفاهم تُمكّن من الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث الجدي عن تسوية سياسية دائمة.
ويرى متابعون أن تكثيف الجولات خلال فترة زمنية قصيرة يعكس وجود تصور أمريكي قائم على تقريب وجهات النظر عبر مشاورات تقنية وسياسية متوازية، بدل الاكتفاء بجولات شكلية. كما أن حضور المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا يهدف إلى ضمان انسجام الجهود وعدم خلق مسارات متوازية متضاربة.
في السياق ذاته، تكتسي هذه الجولة أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات الإقليمية والدولية، سواء على مستوى إعادة ترتيب التحالفات أو في ضوء التحديات الأمنية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة المغاربية والساحل. فاستمرار النزاع يُنظر إليه كعامل يعرقل الاندماج الإقليمي ويؤثر على فرص التنمية والاستقرار.
ورغم الأجواء التي يطبعها قدر من التفاؤل الحذر، تبقى الطريق نحو اتفاق نهائي محفوفة بالتعقيدات، بالنظر إلى عمق الخلافات وتراكم عقود من التباين في المواقف. غير أن الرهان الحالي ينصب على تحقيق تقدم مرحلي، قد يتمثل في الاتفاق على مبادئ عامة أو جدول زمني لمواصلة التفاوض حول تفاصيل الحل.
في انتظار ما ستسفر عنه مباحثات واشنطن، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الوساطة الأمريكية على إحداث اختراق حقيقي في واحد من أقدم النزاعات الإقليمية في أفريقيا. وبين تمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي كحل واقعي، وإصرار الأطراف الأخرى على رؤى مغايرة، تبقى هذه الجولة اختبارا جديدا لإرادة الفاعلين الدوليين والإقليميين في تحويل الزخم الدبلوماسي إلى مسار عملي يفتح أفق تسوية سياسية متوافق عليها.










































