اعتبرت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن الهوة القائمة بين النصوص القانونية والواقع المعيش لدى المواطنين تكشف أن منظومة مكافحة الفساد في البلاد لا تزال «بعيدة عن بلوغ الأهداف المرجوة».
جاء ذلك في مداخلة أحمد العمومري، الأمين العام للهيئة، أمس الأربعاء في مجلس النواب بالرباط، خلال مناقشة الميزانية الفرعية للمؤسسة، حيث شدّد على أن الإطار التشريعي الوطني، رغم ما حققه من تطور وإشادة دولية، ما زال يعاني صعوبات على مستوى التنزيل والتطبيق، مما يحدّ من أثره في محاصرة الفساد وتعزيز الثقة في المرفق العام.
وقال العمومري إن المغرب لا ينبغي أن يكتفي بـ«الرضا عن صورة إيجابية في المؤشرات الدولية الخاصة بالنزاهة»، مؤكداً أن «الواقع العملي يظهر أن التحسن التشريعي لم يواكبه تحسن نوعي في الأداء الإداري أو في مستوى ثقة المواطنين بالمؤسسات».
وأشار إلى أن «تحسين الأداء الإداري والثقة العامة عنصران أساسيان في قياس مدى رضى المواطنين عن الخدمات العمومية وعن قدرة الدولة على تحقيق التنمية المنشودة». وأضاف أن التحدي الراهن «لم يعد في سنّ القوانين أو إعداد الاستراتيجيات، بل في ضمان فعاليتها الميدانية وتأثيرها على سلوك الإدارات والمؤسسات».
وشدد المسؤول المغربي على أن محاربة الفساد «مسؤولية جماعية تتطلب تفاعلاً وتكاملاً بين الدولة والمجتمع»، مستشهداً بخطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس الذي أكد فيه أن مكافحة الفساد «قضية دولة ومجتمع، تتطلب تفعيل الآليات القانونية وتجريم كل مظاهره، ومواجهة المفسدين بقوة».
وأوضح العمومري أن الهيئة تمثل الإطار الدستوري المكلف بالتنسيق والإشراف على تنفيذ سياسات مكافحة الفساد، وتلقي المعلومات ونشرها، والمساهمة في ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وثقافة المرفق العام. واستعرض جهود المملكة في هذا المجال، من بينها المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وإحداث الهيئة بموجب دستور 2011، إضافة إلى برامج قطاعية وترابية عززت الإطار المؤسسي لمحاربة الظاهرة.
وأشار إلى أن تقارير الهيئة السنوية «تشكل مرآة نقدية» لتقييم الواقع، إذ تعتمد على مؤشرات موضوعية ودراسات ميدانية ومتابعة القضايا المعروضة على القضاء، إلى جانب الشكايات والتبليغات الواردة من المؤسسات ذات الصلة.
وكشف العمومري أن الهيئة تعمل حالياً على ملفات تخص تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وتعزيز منظومة التصريح بالممتلكات وحماية المبلغين، كما أعدت رأياً بخصوص تعديلات قانون المسطرة الجنائية وتقييماً شاملاً للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2015-2025، من المنتظر الإعلان عنه قريباً.
وأضاف أن تقييم الهيئة كشف عن «نواقص هيكلية» في تلك الاستراتيجية، سواء على مستوى الحوكمة أو تحديد الأولويات أو ضعف التنسيق، مشيراً إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد «لم تعقد سوى اجتماعين منذ عام 2017».
وأكد العمومري أن الهيئة بصدد الانتهاء من إعداد استراتيجية جديدة لخمس سنوات ترتكز على مقاربة شمولية تجمع بين الوقاية والتوعية والمساءلة، مشيراً إلى أنها ستفعل قريباً آلية التحقيق عبر جهاز «المأمورين»، بعد صدور النظام الداخلي في الجريدة الرسمية.
وختم بالقول إن «المرحلة المقبلة ستشهد تعزيز التعاون بين الهيئة والأجهزة الأمنية ومؤسسات إنفاذ القانون»، لافتاً إلى توقيع اتفاقية مع المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، إلى جانب اتفاقيات أخرى قيد الإعداد، بما «يعزز فعالية الهيئة في مجالات التحري والتحقيق».









































