محمد فارس
قد تبدو هذه المقالة مخالفة لما قرأناه في مقالاتٍ تتعلق بالموقف الإسباني المفاجئ تجاه النزاع حول الصحراء المغربية، وتلك المقالات كتَبها سياسيون أو محلّلون سياسيون، وكاتبُ هذه السّطور ليس بالسياسي ولا بالمحلّل السّياسي، لأنّني أعودُ دوْما إلى التّاريخ، والتاريخُ يُطلعني على الثّابت في عقلية ونفْسية أية دولة وأيّ مجتمع كَيْ لا أَنْخدع بالمواقف الفُجائية أوِ الأقْوال التي تفْرضُها ظروفٌ عارضة كانتْ مِن وراءِ مواقف هذه الدولة أو تلك.. فأنا أُبارك موقفَ [إسبانيا] هذا الذي أسالَ مدادًا كثيرًا، ولا يُمكِنُني أن أخرج عن رأيِ أُمّتي، وموقفٍ وطني، هذا مؤكّد ومفروغ منه ولا تشوبُه شائبةٌ وأشهِدُ الله على ذلك.. قد يسألُني القارئ الكريم قائلاً: ولماذا تختلف مقالتُكَ كما أشرتَ إلى ذلك في البداية؟ وجوابي هو أنّي أقفُ من موقف [إسبانيا] موقفَ الرّجل الحذِر، لأنّ التّاريخ يؤكّد لي بالدّليل أن هؤلاء المستعمرين لا ثقةَ فيهم على الإطلاق، وأنّ الثابت في نفسيتهم هو الكذبُ، والخداعُ، والتّقلب في المواقف، ممّا يجعلني لا أطمئنّ لهم حتى أصْدَمَ غدًا أو بعْد غدٍ.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تصدِّقوهم، ولا تكذِّبوهم]؛ فأنا كمُواطن مغربي، أتبسم في وجه الإسباني لموقفِه الجديد من وحْدَتنا التّرابية، وقلبي يَتّقيه، فأنا أتّخذ منه موقفَ التّقية، وهي جائزةٌ في ديني، بعْد توفُّر شروطِها الموضوعية؛ لماذا يَسأَل القارئ؟
إنّ المواقف الملَكية الحكيمة لصاحب الجلالة، هي التي أرغَمت [إسبانيا] على هذا الموقف الذي اتّخذتْه مباشرةً بعد استقبالها لرئيس الجمهورية الصحراوية الوهمية، و[إسبانيا] خَدمتْ كثيرًا، ودعّمتْ بلا حدود مرتزقة [البوليساريو]، لكنّ السُّؤال هو: لماذا لم تَعترفْ [إسبانيا] مِثْل [أمريكا] بمغربية الصحراء صراحةً؟ لماذا يتّبِع الأوروبّيون عامةً [أمريكا] في كلّ شيء، ولم يَحْذوا حَذْوَها ويعترفوا مِثْلَها بمغربية صحرائنا لو كانوا صادقين؟ المغاربةُ حاربوا إلى جانب الوطنيين الإسبان بقيادة [فرانْكو]، فما الذي منعه وهو الدّيكتاتورُ الذي لا يُناقَشُ قرارُه؟ ما الذي منعه وقْتَها من إعادة الصّحراء المغربية إلى وطنها المغرب، مع الجلاء عن [سبْتَة] و[مليلية] المحتلّتيْن اعترافًا بجميلِ المغاربة، وردّا لاعتبار الـمُقاتلين الذين حاربوا الشّيوعيةَ الـمُلحدةَ في [إسبانيا]؟ هل هذا هو الجزاءُ الذي استحقّوه؟
[إسبانيا] هُزِمتْ سنة (1898) هزيمةً مُنْكرة أوقعها بها الأمريكانُ في خليج (مانِيلاّ) في [الفلبّين]، ودَحروها في [كوبا]، وبذلك فقدتْ [إسبانيا] كلّ مستعمراتها في [أمريكا]، والمحيطِ الهادئ، و[إفريقيا]، وأضحت دولةً صغيرة بعد أن كانت في القرنين (16) و(17) سيِّدةَ [أوروبّا] ومن أقوى دول العالم، ولكنّها احتفَظتْ بالصّحراء المغربية وبسبتة ومليلية لِتتذكّر أمجادها الاستعمارية الغابرة؛ احتفظتْ بأَطْلال من تاريخها البائِد، لذا تجد أسلوب أُدبائِها وفلاسِفتها أسلوبًا بُكائِيًا كلّه حسرةً على ماضٍ تولّى. إنّ [إسبانيا] تعيش حالةً نفسيةً غيْر مستقرة، وتستبطنُ عقليةً استعماريةً، ولا يجب الاطمئنانُ لمواقفِها ولسياستِها، بل تجب الحيطةُ والحذر مع نهْج [التّقية].. هناك مقولةٌ شائعةٌ في [إسبانيا] كرَّسَها سياسيوهُم ومثقّفوهم وصدَّقها الإسبانُ مفادُها [أنّ (إفريقيا) تبدأُ عند جبال (البرانِس) الفاصلة بيْن (فرنسا) و(إسبانيا)]؛ لذلك ترى الإسبان يَحتفظون بثَغْري [سبتة] و[مليلية] منذ الفترة القروسطية، مرورًا بالحقبة الدِّيكتاتورية، وصولاً إلى زمن الدّيمقراطية؛ وديمقراطيتُهم لا تتغيّر أكانت يمينية أو يسارية لأنّ النّفسية التي يستبطِنُونها وعنها يُصْدِرون تَتحكّم فيهم؛ إذن ابتسِموا لهم، وثَمِّنوا مواقفهم، وشُدُّوا على أيديهم، وقلوبُكم تتّقيهم مَعْشَر المغاربة الأحرار، واحْذَروهم!
[إسبانيا] اليوم، تعيشُ أزمةً في الغذاء، والمحروقاتِ، وكذا حاجاتٍ، وأنتَ تعلَم أن إقليمَ [الأندلس] كان يعيشُ رفاهيةً، وكان يوفّر مناصبَ الشّغل بواسطة التّهريب الذي كان يمارس بيْن [سبتة] و[مليلية] والمدُن المغربية الشّمالية، فكانت الملاييرُ تُسْكب في جيوب الإسبان، وكانت خزينة [المغرب] تعاني الأمَرّيْن بسبب التّهريب المدمِّر، ممّا نتجَ عنه رأسُ مالٍ لقيط لا فائدةَ منه في بلادنا.. لقد رأيتَ [خوسي ماريا أزنار] يهاجِمُنا بجيشه في جزيرة [ليلي]، ولمْ يكُن هدفُه صخرةً لا قيمةَ لها، وإنّما كان يريد عرقلةَ بناء [طنجة المتوسّط] بأيّ ثمن، ولكنْ خابتْ آمالُه، وأُقيمَ الميناءُ، وصار مفخرة في الشّمال وآيةً في الإبداع، ودفعةً للاقتصاد المغربي، ومَعْلمةً تشهد بعبقرية ملكٍ وشعب.. لهذا، فمهْما عملت [إسبانيا]، ونافقتْ، وناورتْ، فلن يكون بمقدورها أن تُنْسينا ما فعلتْه بنا خلال تاريخ أسْود طويل؛ فإذا رأيتَها اتّخذت موقفًا إيجابيًا من قضايا بلادنا، فاعْلم أنّ ثمّةَ مصلحة قد يطول أو يَقصُر مداها، فما دامتْ تحتلّ [سبتة] و[مليلية]، وتعتبرهما مدينتيْن إسبانيتين ضدّا على التّاريخ، والجغرافيا، فلن أُصدِّقها ولن أطمئِنَّ لها بأية حال؛ ولكن يبقى كلّ مُواطن له رأيٌ وهو حرٌّ فيه، ويجب احترامُ آراء النّاس وإنْ كنّا لا نوافِقُهم رأيَهُم..










































