أعادت الأمطار الغزيرة التي اجتاحت المغرب خلال الأسابيع الأخيرة ملء السدود بوتيرة غير مسبوقة بعد سنوات من الإجهاد المائي، في مشهد أعاد الوفرة إلى منشآت ظلت لفترة طويلة تعاني مستويات حرجة. غير أن هذه العودة القوية للمياه كشفت في الوقت ذاته مفارقة مائية جديدة، بعدما اضطرت بعض السدود إلى تصريف كميات مهمة نحو البحر بسبب بلوغها حدودها القصوى.
هذا الوضع أعاد إلى الواجهة سؤال القدرة التخزينية الوطنية وحدود البنية التحتية المائية في مواجهة تقلبات مناخية باتت تتأرجح بين سنوات طويلة من الجفاف وتساقطات مركزة في فترات قصيرة، كما فتح نقاشًا علميًا حول ما إذا كانت هذه المياه المفرغة تمثل خسارة فعلية، أم أنها تؤدي دورًا بيئيًا أساسياً في دعم النظم الساحلية والثروة السمكية.
انتعاش غير مسبوق للمخزون المائي
أدت التساقطات القوية التي شهدها المغرب منذ مطلع الشتاء إلى تحول جذري في الوضعية المائية الوطنية. فقد انتقل مخزون السدود من مستويات حرجة إلى مؤشرات وصفتها الجهات الرسمية بأنها الأعلى منذ سنوات، حيث بلغت نسبة ملء السدود نحو 70.3 في المائة في منتصف فبراير الجاري، مقابل حوالي 27.6 في المائة فقط خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وارتفع المخزون الإجمالي إلى نحو 11.8 مليار متر مكعب، بزيادة تفوق سبعة مليارات متر مكعب خلال عام واحد، ما يعكس حجم الانتعاش الذي عرفته الموارد المائية بعد فترة طويلة من الإجهاد المائي.
ولم يكن هذا الارتفاع تدريجياً فقط، بل جاء نتيجة تدفقات استثنائية خلال فترة زمنية قصيرة، إذ تمكنت السدود من استيعاب أكثر من 2.3 مليار متر مكعب من المياه في غضون أربعة أسابيع فقط مع بداية الموسم المطري، لترتفع نسبة الملء إلى أكثر من 45 في المائة مطلع يناير قبل أن تواصل الصعود مع توالي المنخفضات الجوية.
الأحواض الشمالية في صدارة الانتعاش
سجلت الأحواض الشمالية للمملكة أعلى مستويات الانتعاش، حيث تجاوزت نسبة الملء في حوض اللوكوس 94 في المائة، فيما بلغت أكثر من 91 في المائة في حوض سبو، الذي يشكل العمود الفقري للإنتاج الفلاحي الوطني.
كما اقترب حوض أبي رقراق من 93 في المائة، وهو الحوض الذي يزود محور الرباط–الدار البيضاء بجزء مهم من مياه الشرب. وبلغت بعض السدود مستويات قصوى أو شبه قصوى، من بينها سد سيدي محمد بن عبد الله الذي يعد منشأة استراتيجية لتأمين مياه الشرب للعاصمة الاقتصادية، إضافة إلى سد وادي المخازن الذي استقبل مئات الملايين من الأمتار المكعبة، إلى جانب عدد من السدود المتوسطة والصغيرة التي بلغت بدورها مستويات ملء كاملة.
وفرة تكشف حدود التخزين
غير أن هذه الوفرة المائية، التي شكلت متنفسًا حقيقيًا بعد سنوات من التقشف المائي، كشفت في المقابل حدود القدرة التخزينية الوطنية. فقد اضطرت السلطات إلى تصريف كميات مهمة من المياه نحو الأودية والبحر لتفادي الضغط على المنشآت أو خطر الفيضانات.
وفي الشمال الغربي، تجاوز سد وادي المخازن قدرته بنسبة بلغت نحو 160 في المائة، ما استدعى إطلاق كميات كبيرة من المياه نحو مجرى نهر اللوكوس، وهو ما ساهم في حدوث فيضانات واسعة النطاق وإجلاء عشرات الآلاف من السكان، في مؤشر واضح على حجم التدفقات التي شهدتها البلاد خلال هذا الموسم المطري الاستثنائي.
تحديات جديدة للسياسة المائية
يرى خبراء أن ما يحدث اليوم يعكس تحولاً في طبيعة التحديات التي تواجه السياسة المائية في المغرب. فبعدما كانت الاستراتيجيات تركز أساساً على مواجهة الندرة، أصبحت اليوم مطالبة أيضاً بالتعامل مع فترات الوفرة المفاجئة.
وتفرض هذه التحولات تسريع مشاريع بناء سدود جديدة ورفع القدرة الاستيعابية لبعض السدود القائمة، إلى جانب تطوير شبكات تحويل المياه بين الأحواض، بما يسمح بنقل الفائض من المناطق الغنية بالمياه إلى المناطق التي تعاني خصاصاً هيكلياً.
كما تبرز أهمية مشاريع تحلية مياه البحر، التي أصبحت خياراً استراتيجياً لتعزيز الأمن المائي، خصوصاً في المدن الساحلية، حيث يمكن الاعتماد على المياه المحلاة لتأمين التزويد الحضري، ما يتيح توجيه مياه السدود نحو المناطق الداخلية والقطاع الفلاحي.
وتندرج هذه الجهود ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى إنتاج نحو 1.7 مليار متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً بحلول عام 2030، في إطار مسعى لتأمين إمدادات مستقرة في ظل التغيرات المناخية.
ورغم أن التساقطات الأخيرة وفرت متنفساً مهماً للموارد المائية، فإن الخبراء يحذرون من أن هذا التحسن لا يعني نهاية التحديات، إذ يظل التوازن المائي في المغرب هشاً ومعتمداً إلى حد كبير على تقلبات مناخية يصعب التنبؤ بها.
وبين وفرة مفاجئة كشفت حدود التخزين، وذاكرة قريبة لأزمة ندرة خانقة، يقف المغرب اليوم أمام معادلة جديدة: ليس فقط كيف يحمي نفسه من نقص المياه، بل أيضاً كيف يدبر فائضها عندما يعود المطر بغزارة.










































