مع دخول العدّ التنازلي لنهائيات كأس أمم إفريقيا 2025، يبدو المغرب وكأنه لا يستعد لبطولة قارية فحسب، بل يؤسس لمرحلة جديدة في علاقته بالذات وبالقارة وبالعالم. فالتسليم الرسمي للملاعب التسعة للكاف لم يكن مجرد خطوة تقنية، بل إعلاناً بأن مشروع الاستعداد بلغ نقطة النضج، وأن المملكة تتعامل مع “الكان” باعتباره حدثاً استراتيجياً تتجاوز أهميته حدود الرياضة.
فالتحضيرات الضخمة التي سبقت هذا التسليم تعكس رؤية متكاملة تشترك فيها مستويات الدولة من أعلى هرمها إلى أصغر تفاصيل اللوجستيك. هنا لا يتعلق الأمر بتزيين منشآت أو تجهيز مدرجات، بل بإظهار قدرة بلد كامل على تنفيذ مشروع ضخم بمعايير عالمية، وبوتيرة لا تُرى كثيراً في محيطه الإقليمي والقاري.
ورغم أن الرياضة تبدو الواجهة الأكثر وضوحاً، إلا أن العمق الحقيقي لهذا الحدث سياسي بقدر ما هو اقتصادي وتنموي. فالمغرب يدرك تماماً أن تنظيم “كان” ناجح هو ورقة قوة في سياق التنافس الإفريقي على بناء الصورة والريادة.
لذلك جاءت الملاعب الجديدة والمجددة كامتداد لخيار استراتيجي طويل المدى، وليس استجابة ظرفية لبطولة تستمر شهراً فقط. وفي خلفية كل ذلك توجد رسالة ضمنية: أن القارة الإفريقية قادرة على تقديم نسخة تليق بمتطلبات العصر، وأن المغرب يطمح ليكون نموذجاً يحتذى به في هذا المجال.
وعلى المستوى الاقتصادي، لا يخفي هذا الحدث رهاناته. فالبطولة ستتحول إلى منصّة لتحريك قطاعات حيوية، من السياحة إلى النقل، ومن الخدمات إلى الاستثمار الرياضي. غير أن الأعمق من ذلك هو البناء الهادئ لما يمكن تسميته “اقتصاد كرة القدم”، وهو قطاع بدأ المغرب يعي أهميته ويستثمر فيه بذكاء، لأنه لا يرتبط فقط بالعائدات المباشرة، بل بالصورة والقيمة المضافة وببناء منظومة تسويقية وإعلامية حول اللعبة. وفي بلد يشهد نهضة كروية واهتماماً جماهيرياً متصاعداً، تبدو هذه الخطوة منطقية وضرورية.
أما البعد الاجتماعي، فهو الأكثر حضوراً وإن كان الأقل تصريحاً. فـ”كان” المغرب لن يكون مجرد مباريات تُبث على الشاشات، بل حدثاً يخلق لحظة وحدة وطنية نادرة.
الجماهير ستعيش البطولة كاحتفال جماعي، وستجد فيها متنفساً للتعبير عن الانتماء والفخر، خاصة بعد الإنجازات القارية والعالمية للكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة. وفي زمن تتراجع فيه المساحات المشتركة بين الناس، تُعد هذه البطولات فرصة لإعادة بناء لحظة جماعية تُجمِّع بدل أن تُفرّق.
لكن ما يجعل “كان 2025” مختلفاً فعلاً هو الرغبة في رفع السقف. فالمغرب لا يريد نسخة جيدة فقط، بل نسخة مرجعية، نسخة تُظهر أن إفريقيا قادرة على التنظيم بإتقان يفاجئ العالم ويكسر الصور النمطية. فنجاح هذه البطولة لن يكون انتصاراً وطنياً فحسب، بل انتصاراً لقارة تُصرّ على أن زمانها قد بدأ.
وعند مشاهدة الحدث من زاوية أوسع، يمكن القول إن المغرب لا يراهن على كسب اعتراف رياضي، بل يسعى لإعادة تشكيل موقعه داخل إفريقيا ومن خلالها إلى العالم. فهذه البطولة، إذا تمت كما خُطط لها، ستكون محطة فاصلة تُعاد فيها كتابة جزء من علاقة إفريقيا بكرة القدم وبالقدرة على الإنجاز.
وفي قلب هذه العملية يقف المغرب، واثقاً من قدرته على جمع التفاصيل الصغيرة والرهانات الكبرى في صورة واحدة: صورة بلد يستعد للحدث الرياضي، لكنه في الحقيقة يستعد للمستقبل.









































