شهدت السنوات الأخيرة توسّعًا غير مسبوق في الفلاحة المكثّفة الموجّهة للتصدير. بيوت بلاستيكية تمتد على آلاف الهكتارات، ومحاصيل عالية القيمة مثل الطماطم الشيري والخيار والفواكه الحمضية والأفوكادو تُزرع خصيصًا للأسواق الأوروبية. هذا النموّ الاقتصادي المربح لم يأت بلا ثمن؛ فالموارد المائية الوطنية تعاني استنزافًا شديدًا، والمواطن البيئية الطبيعية مثل الرطبيات والطيور المائية تتراجع بمعدل ملحوظ.
و يستنزف نحو 80% من المياه الوطنية في القطاع الزراعي، مع أن المساحات المروية تشكّل جزءًا صغيرًا من الأراضي المزروعة، لكنها تتحكّم في الجزء الأكبر من القيمة النقدية للإنتاج. هذه الفجوة بين الاستهلاك والفائدة الاقتصادية تُظهر الضغوط الهائلة على الموارد الطبيعية، كما أن تصدير المنتجات الزراعية يوازي تصدير كميات كبيرة من المياه الافتراضية خارج البلاد، بما يفاقم من ندرة الموارد في المناطق القاحلة والسواحل.
ونبه التقرير الى ان الطيور المائية والرطبيات هي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. المسطحات المائية الصغيرة، مثل البحيرات والمصبات والسبخات، تتقلّص بسبب جفاف الخزانات، وتلوث مياه الري ومخلفات الأسمدة والمبيدات، وتحويل المجاري المائية لأغراض الزراعة المكثفة. النتيجة واضحة تراجع فرص تغذية وتكاثر الطيور، وهجرة إجبارية أو موت محلي لأنواع غير قادرة على التكيّف بسرعة، ما يهدد التنوع البيولوجي ويؤثر في الخدمات البيئية الحيوية مثل تنقية المياه ودعم السياحة الطبيعية.
وتأتي هنا دور المقاولين الزراعيين الذين يقودون هذه الثورة التصديرية، إذ يمثلون قوة اقتصادية ضاغطة على الحكومة للحفاظ على نموذج الري المكثف. في مناطق مثل سوس وشتوكة، حيث تتركز زراعة الطماطم المصدّرة، تعمل عشرات الشركات على مئات الهكتارات من الأراضي المزروعة، وتستهلك كميات هائلة من الماء، ما يسبّب ضغطًا على السدود والمياه الجوفية المجاورة ويؤثر مباشرة على موائل الطيور المائية المحلية.
وتتفاقم الأزمة مع ضعف الإصلاحات الحكومية. المشاريع الكبرى مثل السدود وتحلية المياه تتوسع، لكنّها لا تعالج أصل المشكلة، المتمثلة في استهلاك المياه المفرط في الزراعة التصديرية. تقنيات الري الحديثة أقل انتشارًا مما ينبغي، والمراقبة على استغلال المياه الجوفية ضعيفة، ما يترك المجال مفتوحًا للاستنزاف غير المستدام.
و اشار التقرير ان الحلول ممكنة، لكنها تتطلب قرارًا سياسيًا جريئًا إعادة هيكلة الدعم الزراعي لضبط الربحية على أساس استدامة الموارد، تحسين كفاءة الري من خلال تقنيات متطورة، حماية الرطبيات والسبخات عبر خطط إدارة الأحواض المائية، وتنظيم استغلال المياه الجوفية والسطحية. التحلية يجب أن تستخدم بشكل استراتيجي لدعم المدن الساحلية والقطاعات الصناعية، وليس كغطاء لاستمرار نموذج زراعي غير مستدام.
و توضح الأرقام والواقع الميداني ، أن المغرب يتجه نحو مستوى من الإجهاد المائي يتطلب إعادة حسابات عاجلة. الفلاحة التصديرية أعطت مردودًا اقتصاديًا مهمًا، لكنها أرهقت الموارد الطبيعية وهدّدت المواطن البيئية الحساسة، بما فيها الرطبيات والطيور المائية. إن حماية البيئة، إدارة الموارد المائية، ودعم مجتمع المقاولين نحو الإنتاج المستدام ليست رفاهية، بل ضرورة لضمان مستقبل زراعي وبيئي متوازن للمغرب.










































