تتصاعد أصوات المعارضة في المغرب مع بداية الموسم السياسي الجديد، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية على المواطنين بفعل استمرار موجة الغلاء، وما يرافقها من اختلالات بنيوية في قطاعات التعليم، والصحة، والتوزيع، والتشغيل. فقد خرجت أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها حزب التقدم والاشتراكية وحزب العدالة والتنمية، بانتقادات شديدة اللهجة، معتبرة أن الحكومة الحالية تكتفي بإطلاق وعود عامة دون إجراءات ملموسة، في ظل واقع اقتصادي يزداد تعقيداً، وقدرة شرائية تتآكل يوماً بعد آخر.
و وجه حزب التقدم والاشتراكية انتقادات قوية لما أسماه “الفوضى العارمة” التي طبعت الدخول المدرسي الحالي، حيث سجل استمرار نفس الاختلالات المزمنة التي ترهق المدرسة العمومية منذ سنوات، دون أن تلوح في الأفق معالم إصلاح حقيقي. الحزب نبه إلى خطورة تمرير مشروع القانون المنظم للتعليم العالي بشكل أحادي، من دون أي إشراك للنقابة الوطنية للتعليم العالي أو باقي المتدخلين في القطاع.
وفي نظر الحزب، فإن هذه المقاربة الإقصائية تعكس إرادة التفرد في اتخاذ القرارات، وتثير مخاوف من انتكاسة محتملة في مسار إصلاح الجامعة المغربية، التي تعاني أصلاً من محدودية الإمكانيات وضعف البحث العلمي وهشاشة البنية التحتية.
كما توقف الحزب عند ارتفاع أسعار المستلزمات الدراسية بشكل قياسي، وهو ما اعتبره عبئاً جديداً على كاهل الأسر المغربية، خصوصاً المتوسطة والمستضعفة، في ظل رسوم باهظة تفرضها المدارس الخصوصية، إلى جانب فرض كتب مستوردة بأسعار تفوق القدرة الشرائية للمواطنين. وأكد الحزب أن استمرار الفوضى في قطاع التعليم الخصوصي يفرض تدخلاً صارماً من الحكومة لضبط الأسعار وحماية مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف الفئات الاجتماعية.
من جهته، دق حزب العدالة والتنمية ناقوس الخطر إزاء موجة غلاء جديدة شملت عدداً من المواد الغذائية الأساسية خلال الأسابيع الأخيرة، في وقت لم تتعاف فيه الأسر الفقيرة والهشة من تداعيات موجات سابقة من التضخم. ففي سؤال كتابي موجه إلى وزيرة الاقتصاد والمالية، حذرت النائبة البرلمانية سلوى البردعي من ارتفاع أسعار البطاطس والطماطم إلى 7 دراهم للكيلوغرام، والتفاح إلى 26 درهماً، والموز إلى 20 درهماً، بينما تجاوز سعر السردين والأنشوجة، وهي من الأسماك الشعبية، حاجز 50 درهماً للكيلوغرام، مع ندرتها في الأسواق.
الحزب اعتبر أن هذه الزيادات غير المبررة تعكس “اختلالات واضحة” في منظومة التوزيع، وضعف مراقبة الأسواق، وغياب رؤية ناجعة لضبط الأسعار، داعياً الحكومة إلى الكشف عن خططها المستعجلة لضمان استقرار السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
في المقابل، تؤكد الحكومة أنها اتخذت عدة إجراءات لمواجهة الغلاء، من بينها دعم المواد الأساسية عبر صندوق المقاصة، وتشديد المراقبة على سلاسل التوزيع، إضافة إلى إطلاق برامج دعم للفلاحين والمربين لمواجهة تداعيات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف. غير أن المعارضة ترى أن هذه الإجراءات تبقى محدودة الأثر ولا تلامس جوهر الأزمة المتمثل في غياب سياسة اقتصادية شمولية قادرة على خلق التوازن بين العرض والطلب وضمان الأمن الغذائي.
و تجدر الإشارة إلى أن المندوبية السامية للتخطيط سبق أن حذرت من اتساع التفاوتات المجالية بين جهات المملكة، مشيرة إلى أن ثمار النمو الاقتصادي لا توزع بشكل متوازن، وهو ما يزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً في المناطق القروية والجهات الأقل استفادة من الاستثمارات العمومية.
و يرى مراقبون أن منشور رئيس الحكومة حول إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026 جاء خالياً من مؤشرات واضحة على تغيير المنحى الاقتصادي والاجتماعي، إذ يواصل التركيز على التوازنات الماكرو-اقتصادية دون أن يقدم حلولاً ملموسة للأسر التي أنهكها الغلاء. المعارضة اعتبرت أن هذا النهج يؤكد إصرار الحكومة على الاستمرار في سياسات تقشفية، قد تعمّق الفوارق الاجتماعية بدل معالجتها.
وفي هذا السياق، يطالب حزب التقدم والاشتراكية بضرورة إعادة النظر في البرامج والمناهج التعليمية وتقييم تجربة “مؤسسات الريادة”، إلى جانب إصلاح المدرسة العمومية كمدخل أساسي لضمان العدالة الاجتماعية، فيما يشدد حزب العدالة والتنمية على أن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح دون استقرار أسعار المواد الأساسية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
و تتزامن هذه الانتقادات مع استمرار النقابات بدورها في التحذير من تدهور أوضاع الشغيلة وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يضع الحكومة أمام تحديات اجتماعية كبرى مع بداية الدخول السياسي الجديد. وبينما تؤكد الحكومة أنها تعمل على برامج إصلاحية متدرجة، ترى المعارضة أن الوقت لم يعد يسمح بمزيد من الانتظار، وأن غياب تدخلات قوية وعاجلة قد يعمق الاحتقان الاجتماعي ويهدد السلم الاجتماعي بالمغرب، و في ظل هذه المعطيات، يبدو أن معركة الغلاء مرشحة للاستمرار، في وقت يتساءل فيه المواطن المغربي: إلى متى سيظل وحده يدفع فاتورة الاختلالات الاقتصادية والسياسية.









































