لم يكن في حسبان المغاربة أن يستقبلوا رمضان هذا العام بقلق اقتصادي يطغى على أجوائه الروحية والاجتماعية. فالشهر الذي ظل تاريخياً مناسبة للتكافل والتقارب العائلي، تحوّل لدى كثير من الأسر إلى اختبار يومي للقدرة الشرائية. وبين رفوف الأسواق الشعبية وأصوات الباعة، تتكرر الجملة نفسها: الأسعار ارتفعت، والموائد لم تعد كما كانت.
في أسواق الرباط والدار البيضاء ومدن أخرى، يبدو المشهد متشابهاً. زبائن يسألون عن الأسعار ثم يغادرون بأكياس أخف مما اعتادوا عليه في مثل هذه الأيام من كل عام. فـ“الحريرة”، التي تُعدّ سيدة المائدة الرمضانية، أصبحت أكثر كلفة بسبب ارتفاع أسعار الطماطم والخضر الأساسية. الطماطم التي كانت تُشترى بكميات وفيرة لتحضير الحساء اليومي باتت تُقتنى اليوم بحذر، فيما قفزت أسعار اللحوم الحمراء إلى مستويات جعلتها خارج حسابات كثير من الأسر المغربية.
وحتى البدائل الشعبية لم تسلم من موجة الغلاء. فالدواجن ارتفعت أسعارها تحت ضغط الطلب، بينما عاد السردين، الذي طالما ارتبط في المخيال الشعبي بلقب “سمك الفقراء”، إلى واجهة النقاش العام بعد أن أصبح بدوره عبئاً على القدرة الشرائية. ففي مدن ساحلية مثل الجديدة وصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 15 درهماً بعدما كان في حدود 10 دراهم قبل رمضان، بينما بلغ في المدن الداخلية مستويات أعلى بكثير، إذ سجل في بعض المدن نحو 40 درهماً للكيلوغرام.
ويرجع مهنيون هذا الارتفاع إلى زيادة الطلب في الأيام الأولى من الشهر الفضيل، إضافة إلى تراجع العرض خلال الأشهر الماضية بسبب اضطراب الأحوال الجوية وتوقف عدد من قوارب الصيد الساحلي والتقليدي. غير أن هذه التفسيرات لا تقنع كثيراً من المواطنين الذين يرون أن تعدد الوسطاء وضعف مراقبة الأسواق يساهمان في تضخم الأسعار بين الموانئ وموائد المستهلكين.
ولا يتوقف الأمر عند الأسماك. فأسعار الخضر والفواكه والمواد الأساسية بدورها ارتفعت بشكل ملحوظ، خاصة التي تكثر في المائدة الرمضانية. وفي ظل هذا الوضع، بدأت الأسر تعيد ترتيب أولوياتها الغذائية، فتقلصت قائمة المشتريات واختفت بعض الأطباق التي كانت جزءاً من طقوس رمضان.
اقتصادياً، لا يمكن فصل هذه التطورات عن موجة التضخم التي تضرب العالم، غير أن ذلك لا يفسر كل شيء. فجزء من الأزمة يرتبط أيضاً باختلالات داخلية في السوق، من بينها المضاربة وضعف ضبط مسالك التوزيع. وبين المنتج والمستهلك تتضخم الأسعار، فيما يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة الاقتصادية.
هنا تحديداً يبرز السؤال السياسي. فالحكومة التي رفعت شعار “الدولة الاجتماعية” تجد نفسها أمام اختبار حقيقي. فالرهان لم يعد فقط على توفير المخزون الكافي من المواد الغذائية، بل على ضمان وصولها إلى المستهلك بأسعار معقولة. وبين التصريحات الرسمية التي تؤكد وفرة العرض، والواقع الذي يلمسه المواطن في الأسواق، تتسع فجوة الثقة.
في الأحياء الشعبية، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. فبينما ترتفع الأسعار، يلجأ كثير من العاطلين وذوي الدخل المحدود إلى المهن الموسمية المرتبطة برمضان: بيع الفطائر التقليدية، أو الخبز المنزلي، أو عصير البرتقال في الأسواق. إنها محاولات بسيطة للتكيف مع اقتصاد صعب، لكنها أيضاً مرآة لوضع اجتماعي هش.
رمضان في المغرب لم يفقد روحه، لكن فرحته باتت أقل اتساعاً. فحين تتحول مائدة الإفطار إلى معادلة حسابية دقيقة بين الدخل والمصروف، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط كيف يصوم المغاربة، بل كيف يعيشون.










































