تشير آخر المعطيات الصادرة عن هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي إلى استمرار وتيرة الارتفاع في أقساط التأمين بالمغرب خلال الشطر الثاني من سنة 2025، إذ بلغت 16,7 مليار درهم، مسجلة نموا بنسبة 10,2 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية. هذه الأرقام، وإن كانت تعكس حيوية السوق وقوة إقبال المغاربة على منتجات التأمين، إلا أنها تثير في الآن ذاته نقاشا متجددا حول طبيعة هذا النمو: هل هو مؤشر صحة قطاعية أم نتيجة مباشرة لجشع شركات التأمين التي رفعت أسعارها بشكل غير متناسب مع الخدمات المقدمة.
ز توضح الإحصائيات الرسمية أن هذه الأقساط تتوزع بين “التأمين على الحياة” الذي بلغ 8,9 مليارات درهم بزيادة 8,1 في المائة، و”التأمين على غير الحياة” الذي سجل بدوره ارتفاعا بنسبة 12,7 في المائة ليصل إلى 7,8 مليارات درهم. ويكشف التفصيل أن فئة “المدخرات المرتبطة بالوحدات الحسابية” حققت قفزة صاروخية بنسبة 70,8 في المائة لتبلغ 490,7 مليون درهم، فيما سجلت “المدخرات بالدرهم” ارتفاعا بـ 5,8 في المائة لتستقر عند 7,54 مليار درهم. أما فئة “الوفاة” فارتفعت بـ 5,6 في المائة لتبلغ 871,8 مليون درهم.
وفي جانب “التأمين على غير الحياة”، جاءت أقوى الارتفاعات في قطاعات “المخاطر التقنية” (زائد 66,2 في المائة)، و”المسؤولية المدنية العامة” (زائد 26,5 في المائة)، و”ضمان الائتمان” (زائد 26,1 في المائة)، و”الرعاية” (زائد 23,7 في المائة)، وهي أرقام تكشف دينامية واضحة، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالا ملحّا: لماذا تتضاعف الأرباح بهذا الشكل في وقت يشتكي فيه الزبناء من غلاء الأسعار وطول مساطر التعويض؟
ويعتبر قطاع التأمين في المغرب من بين الأكثر تنظيما على المستوى الإفريقي، إذ يخضع لإشراف هيئة رقابية متخصصة ويستفيد من إطار قانوني متطور نسبيا. غير أن هذا التنظيم لم يمنع تفاقم التوتر بين شركات التأمين وزبنائها، خاصة في ملفات التعويض عن حوادث السير أو تغطية المصاريف الطبية. فالكثير من المؤمنين يشتكون من تأخر التعويضات، وتطبيق شروط تعجيزية عند تقديم ملفات المطالبات، بل وتسجيل زيادات متكررة في أقساط التأمين الإجباري على السيارات دون تفسير مقنع.
ويؤكد عدد من الخبراء أن شركات التأمين تركز على تحقيق أرباح قياسية بدل تطوير جودة خدماتها. ففي الوقت الذي أعلنت فيه الهيئة عن بلوغ الأقساط 16,7 مليار درهم خلال ثلاثة أشهر فقط، تشير تقارير غير رسمية إلى أن نسب الأداء (أي ما تدفعه الشركات كتعويضات مقارنة بما تحصله من أقساط) تظل منخفضة، ما يعني أن هامش الربح يتوسع على حساب جيوب الزبناء و اكثر ما يثير غضب المستهلكين هو غياب شفافية حقيقية في تسعير المنتجات. فأسعار التأمين الإجباري على السيارات مثلا تختلف من شركة إلى أخرى بشكل كبير، دون أن يكون هناك مبرر واضح. كما أن العديد من الزبناء يفاجَؤون برفض تجديد عقودهم أو فرض زيادات غير متوقعة بدعوى ارتفاع المخاطر أو تغيّر السياسات الداخلية للشركات.
ويرى بعض الاقتصاديين أن هذا الوضع يكرّس نوعا من الاحتكار المقنع، إذ تتحكم بضع شركات كبرى في حصة الأسد من السوق، وتحدد الأسعار بما يتناسب مع مصالحها لا مع القدرة الشرائية للمواطنين. وفي غياب منافسة حقيقية أو آليات فعالة لحماية المستهلك، يجد المواطن نفسه مضطرا للقبول بالشروط المفروضة عليه.
أمام هذا الواقع، تتعالى الدعوات إلى إعادة النظر في تنظيم القطاع، ليس فقط على المستوى المالي، بل أيضا على مستوى حماية حقوق المؤمنين. فالمطلوب اليوم هو تعزيز رقابة الدولة على أسعار التأمينات الإلزامية، وتبسيط مساطر التعويض، وإلزام الشركات بنشر مؤشرات الأداء المتعلقة بنسبة الملفات المقبولة، ومتوسط آجال الأداء، وهو ما سيمكن من خلق منافسة حقيقية مبنية على جودة الخدمة لا فقط على رقم المعاملات.
كما يدعو خبراء إلى إطلاق حملات توعية للمواطنين حول حقوقهم وواجباتهم في التعاقد مع شركات التأمين، حتى لا يظل المستهلك الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
و تعد الأرقام القياسية التي يسجلها قطاع التأمين في المغرب تعكس بلا شك حيويته ومساهمته في الاقتصاد الوطني، لكنها تفضح أيضا خللا في التوازن بين ما تدفعه الشركات وما يحصل عليه المواطن من خدمات. وإذا لم يتم وضع حد لفوضى الأسعار وتغوّل بعض الفاعلين، فإن أزمة الثقة بين المستهلك وشركات التأمين مرشحة للتفاقم، وهو ما قد يهدد مستقبل القطاع على المدى المتوسط. المطلوب اليوم تدخل عاجل لإرساء قواعد شفافة وعادلة تحمي المواطن وتدعم استقرار السوق في آن واحد.









































