أجرى الزميل عمار الشقيري مقابلة مطوّلة عبر الهاتف مع المعلمة ختام أبو عوض، من مخيم النصيرات في قطاع غزة، والتي أدارت منذ جائحة كورونا رياض أطفال افتراضي تطوعي. ومع الحرب توسعت المبادرة لتشمل تعليم الأطفال وجاهيًا في عمر الروضة، وكذلك في سن المدرسة. وقد كُتبت الشهادة على لسانها.
المصائر وحدها من تختارنا لنؤدي دورًا في هذه الحياة، وهذا كلّ ما أستطيع تقديمه الآن حول سبب وجودي كمعلمةٍ متطوعةٍ لتدريس الأطفال في مرحلة الروضة في قطاع غزة. أنا ختام أبو عوض، المولودة سنة 1988، وخريجة كلية المجتمع للعلوم التطبيقية في تخصص تربية الطفل سنة 2009. عملت بعد التخرج في روضات كثيرة لسنوات طويلة، وحين أكون في أسواق النصيرات يوقفني شباب وصبايا في عمر الجامعة ليلفتوا انتباه من معهم: «هاي هي مِس ختام. درّستني بالروضة». أنا هي «مِس ختام».
كم تلقيتُ مع زميلاتي المعلمات دورات تدريبيّة تنظمها مؤسسات تعليمية غير حكوميّة من أجل تأهلينا للتعامل مع هذه الفئة من الأطفال، مثل دورات الدعم النفسي لمواجهة آثار الحروب والحصار، وكم حاولت تطبيق ما تعلمته، لكنني أدركت بعد سنوات باستحالة تقديم دعم نفسي لطفلٍ من معلمة بحاجة لدعم نفسيّ للتخلص من الآثار نفسها.
قبل هذه الحرب، كان أغلب أطفال قطاع غزة يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة بسبب حروب الاحتلال المتكررة، أمّا نحن المعلمات، فكنا نعاني مثلهم هذه الآثار، وفوقها نعاني بسبب الحصار المستمر من تدني أجورنا، إذ لم يتعدّ راتب الواحدة منا التسعين دولارًا شهريًا. ولهذا تركت التدريس عام 2020، وقررت الذهاب إلى مكّة لتأدية العمرة.
قالت صديقاتي وأنا أستعد للسفر: تذكري، حين تطلين على الحرم المكي، وترينه أول نظرة، ادعِ الله ليبعث لك عريسًا؛ لأن الدعاء مستجابٌ في تلك اللحظة. لكنني نسيت ودعيت بدعاء آخر: «يا رب ترزقني بعمل صالح، أنفع فيه الأطفال، وأنفع بلدي».
عدت إلى غزّة، وبدأت جائحة كورونا في السنة نفسها، فأغلقت المدارس وتحوّلت إلى التعليم الإلكتروني، وانتهت العملية التعليمية في كثير من الروضات.
لا أعرف كيف أُلهِمتُ الفكرة ونشرتُ على صفحتي على فيسبوك اقتراح تأسيس روضة إلكترونية لتعليم الأطفال من عمر أربع إلى ست سنوات. المهم أن 300 طفلٍ، من مختلف محافظات غزة، وعددًا قليلًا من خارج القطاع، سجلوا خلال الأسبوع الأول من نشر الإعلان في هذه الروضة. خصّصتُ لها صفحة على فيسبوك وأسميتها روضة «أحباب من كل مكان»، وفتحت للأمهات مجموعة على تطبيق واتساب من أجل متابعة أمور أطفالهنّ.
وهكذا علّمت الأطفال عن طريق بثّ الحصص على تطبيق زووم، وقدّمت لهم كل ما تعلمته في الجامعة وفي دورات التأهيل، وحين كنت أنتهي بعد الظهر من تعليمهم، كنت أتواصل مع أمهاتهم حتى ساعات متأخرة.
عندما انتهت سنة كورونا، وتجهز الأطفال المتخرّجون من الروضة للذهاب إلى المدرسة في الصف الأول، اتصلت أمهات كثيرات بي يطلبن المواصلة لأنهن غير قادرات على إرسال أطفالهن إلى الروضات ودفع رسومها. «خليكي فاتحة [الروضة] الإلكترونية وبندرّس معاكي» قلن لي. ومن يومها أخذت عهدًا على نفسي ألا أتوقف، وهكذا أمضيت السنوات، سنة بعد أخرى، في تدريس الأطفال وتخريجهم آخر العام الدراسي في حفل يقام في منطقة النصيرات.
كان من حولي يسأل: ما الذي تستفيدينه من كل هذا التعب والشقاء، وكنت أجيب أنها ربّما الغريزة التي تربطني بالأطفال. لست مثاليةً، تحدثتُ في الإعلام كثيرًا عن هذه التجربة، طالبتُ بدعم من أي جهة تعمل في مجال الطفولة لتقديم ولو مستلزمات حفل التخرج السنوي، أو مكافأة لي في النهاية، لكن أحدًا لم يستجب: «ما فيه حدا ما بده حدا يكافئه» كنت أقول في نفسي.
اعتقدت أن ظهوريَ على شاشة الجزيرة سيوصل الصوت إلى جهة تدعم الروضة، وهكذا رتبوا لقاءً معي لأتحدث فيه، ونشروه في اليوم التالي، وكان يوم خميس، الخامس من أكتوبر سنة 2023، وبعد يومين قامت حرب الإبادة، وأنا ظننت أن كل شيء قد انتهى.
قطع الاحتلال كل وسيلة تواصل من إنترنت واتصالات خليوية وكهرباء منذ الأيام الأولى للحرب، فانقطعنا عن العالم. بعد شهرين، استطعتُ الاتصال بالإنترنت من حزم الهواتف، وهي خدمة بطيئة، وأول ما فعلته نشرتُ على صفحة الروضة أطلب طمأنتي على الأطفال المسجلين في الروضة، وحين لم أتلقَ ردًا، بعثت رسائل لهواتف الأمهات. ثلاثة أشهر دون أن أتلقى ردًا، كنت أريد ولو رسالة واحدة تخبرني بنجاة الأطفال. لم أكن أعرف أن كثيرين خاصةً في الشمال، لم يكن عندهم إنترنت أو هواتف، ومن كان لديه انشغل بالنجاة، وأنا مثلهم أردتُ النجاة، فنزحتُ من النصيرات إلى رفح، وفي قلبي غصةٌ كبيرة.
في رفح، عرفت أن 12 طفلًا من صف الروضة قد استشهدوا، ولم أعرف مصير الباقين. هؤلاء قطعة من روحي، وبسببهم اتخذت قرار عدم العودة إلى التدريس. ألم أقل لكم إننا نحن المعلمات، مثل الأطفال الذين نعلمهم، بحاجة أيضًا إلى دعم نفسي؟
كنت خائفةً من المكان، ومن حياة الخيام، وأمي لا تعرف معنى الدعم النفسي، لكنها تعرف كيف تقدّمه. طلبَت مني أن أجمع الأطفال من الخيام في محيطنا الضيق لنقدم لهم أي شيء، وأنا وافقت وحصلت من متبرعين على هدايا صغيرة، وجهزت ألعابًا بسيطةً، وفي يوم التجمع كانوا هناك بعدد كبير، كبير جدًا، وأنا أقف أمامهم، أرادوا كل شيء دفعة واحدة، فهجموا عليّ، وأنا وحيدة وخائفة، ويد واحدة لا تستطيع التصفيق، هجم الأطفال وكانوا مشاغبين، فتراجعت إلى الخلف، واتخذت القرار من جديد: هذه أول وآخر مبادرة أنفذها في الحرب: «نفسيتي كانت تعبانة. في النهاية كنت زعلانة على حالتهم، ما كانوا هيك، الحرب هي السبب».
لا تصدقوا أن الإنسان يستطيع الهرب من مصيره، ألم أقل إن مصائرنا هي التي تختارنا؟ وهذا ما حصل عندما عدت إلى بيتنا في النصيرات؛ إذ انتشرت مبادرات هيئات ومؤسسات أهلية كثيرة تقدم الدعم النفسي للأطفال في منطقتنا، وقلت في نفسي: الآن جاء دور العودة إلى التعليم.
اتفقت مع صبيّة من حارتنا أن تمسك ورقةً وقلم، وتدور على العائلات في الشارع والحارة التي أسكن فيها، وتسجّل أسماء الأطفال في عمر الروضة ممن ترغب عائلاتهم بتعليمهم. وفي نهاية اليوم لا نعرف كيف انتشر الخبر إلى خيام النازحين القريبة، وبدل أن يكون لدينا عشرون طفلًا كما خططنا، كان لدينا قائمة من 300 طفل؛ 120 طفلًا في عمر الروضة، و180 طفلًا في عمر المرحلة التعليمية الأساسية بين الصف الأول والخامس.
تحدثتُ مع معلمات سابقات من المنطقة، وخريجات جامعيات للتدريس معي في هذه المبادرة تطوعًا، إذ ليس فيها أي مقابل مادي. وقلت لو أمنّا دعمًا لها فستكون الأولوية لهنّ، أما الآن فلا يفكرن بالعدد الكبير، المهم أن تبقى النية صافية وموجودة، وهكذا صرنا أربع مدرّسات، أنا مدرسة الروضة، ومعي معلمة لغة إنجليزية ومعلمة رياضيات ومعلمة علوم.
أخذت غرفة من بيتنا، وقسمنا العدد على مجموعتين، مجموعة الصفوف الأساسية من الأول إلى الخامس تدرس أيّام الأحد والثلاثاء والخميس، ومجموعة الروضة وتدرس أيّام السبت والاثنين والأربعاء. وكل مجموعة مقسّمة على سبع مجموعات، لكل مجموعة ساعة واحدة في اليوم، نداوم معهم من الساعة الثامنة صباحًا حتى الثالثة ما بعد الظهر، وبدأنا العام الدراسي في الأول من نيسان سنة 2024.
حصلنا على مناهج وزارة التربية والتعليم، كل معلمة معها نسخة واحدة تدرّس صفّها منها، ثم تكتب على اللوح الدرس، والأطفال ينسخون على دفاترهم، ودرّست أنا السلوكيات والمهارات الأساسيّة التي يحتاجها الطفل في مرحلة الروضة.
بعد انتهاء اليوم الدراسي، نتواصل مع الأمهات عبر واتساب ونبعث لهن صور الدروس ونتابع معهن حل الواجبات. ثم نمضي الساعات في وضع الاختبارات لهم، وهذا جهد صغير. لا أدعي أنه يغطي المنهاج كاملًا، لكنه أفضل من لا شيء، وأفضل كذلك من بقاء الأطفال دون تعليم.
حين بدأت الهدنة بدايات 2025 سابقنا الزمن من أجل عمل حفل تخريج للأطفال من الفوج الأول الذي التحق بالدراسة في شهر نيسان لأن عائلات الطلبة النازحين أرادوا العودة إلى بيوتهم في الشمال مع أطفالهم الخريجين، وهكذا تخرج في الهدنة، 90 طالبًا وطالبة، 60 من مرحلة رياض الأطفال، و30 من المرحلة الأساسية، جمعتهم غرفة صغيرة، وأخذوا معهم الشهادات، وذكريات حفل التخرج الصغير ورفّعنا البقية إلى صفوف أعلى.
تذكرون مجزرة تحرير الرهائن في النصيرات التي تسببت باستشهاد 274 شهيدًا وإصابة 814 آخرين، كنّا قريبين منها، موجودين في الغرفة الصفية مع الأطفال، وكان من المقرر أن نوزّع عليهم علب عصير تبرعت بها واحدة من المؤسسات، أنتم لا تعرفون معنى أن يحصل الأطفال على علبة عصير هنا.
يومها، وقبيل الظهر بقليل بدأ القصف الجنونيّ من كل مكان، طائرات تقصف من السماء، ودبابات لا نراها تقصف، والمُسيّرات تحوّم في الأجواء، وسمعنا بوجود جنود على الأرض. كانت المعلمات خائفات على أنفسهن وعلى الأطفال، كيف سنوصل الأطفال إلى أهاليهم؟ لم تمضِ دقائق حتى تجمعت الأمهات عند باب الغرفة وأخذوا أطفالهم، ولم يعودوا إلى التعليم، فبقينا وحدنا مع علب العصير.
بعد أيام، ذهبنا إلى الأمهات وقلنا لهن: إن الحياة تمضي، ومن الممكن أن يأتي القصف في البيت أو الخيمة، أو في الشارع، ومن الأفضل عودة الأطفال إلى التعليم، وهكذا سلّمنا أمرنا إلى الله وعاد الأطفال. لكنهم انقطعوا مرة أخرى، وهذه المرّة بسبب اشتداد المجاعة.
كانت فترة صعبة علينا، طلبَ الأهالي للأطفال إجازة لأسبوع، وقالوا لنا: «إذا إحنا مش قادرين نحكي من الجوع، فكيف وضع الأطفال؟»، وأنا كنت مثلهم ليست فيَّ طاقةٌ لأواصل. وأعترف الآن، أنني كنت عصبيّة جدًا مع الأطفال فترتها. كانت أيامًا عسيرة.
تبرعت صبية من مصر بمبلغ لشراء 15 كيلو طحين لنا، كان الكيلو يباع بـ120 شيكل (36 دولار)، عجنت وخبزت للأطفال الكمية كلها، ووزعنا الأرغفة الساخنة عليهم. لكن الأطفال لم يأكلوا شيئًا من الأرغفة، كانوا يقولون: «بس أروّح يا مس بوكل»، كانوا يريدون أكلها مع عائلاتهم.
لكل طفل في الغرفة حكايته الخاصة، أصعبها حكايات الذين استشهدوا. يختلف وقع خبر استشهاد الطفل في الروضة الإلكترونية الذي عرفته من وراء الشاشة، عن الأطفال الثمانية الذين استشهدوا من هذا الغرفة. في كل مرة يستشهد طفلٌ أدخل في نوبة اكتئاب، وأبعث للأمهات أن مهمتي قد انتهت، وأجلس في البيت لأيام قبل مجيئهن مواسيات: «شو يا مس ختام، بدهمش الأطفال يرجعوا؟» حينها أعود، وأقول في نفسي: «خليني أكمل الرسالة».
بعدها، أجد نفسي مع الأطفال في الغرفة ونبدأ بالفضفضة، نمضي الوقت في تذكّر الشهداء، يفرّغون ما في دواخلهم، وأفرّغ أنا ما بداخلي، أنا أيضًا فقدت أفرادًا من عائلتي.
يغيب بعض الأطفال، ونذهب إلى خيامهم في محاولة لإقناع الأمهات من أجل إعادتهم، تقول إحداهن إنها أرسلت ابنها للعمل على بسطة ليساعد في الصرف على عائلته لأن والده قد استشهد. حاولت كثيرًا حل مشكلاتهم، بعثتُ بيانات الأطفال إلى مؤسسات تعنى بالطفولة. «إشي بمزع قلبك مزع».
هؤلاء لم يعودوا أطفالًا، يتحدثون عن الهدنة والأخبار، ومتى أغلق المعبر ومتى فتح، يحاولون ترك الدرس سريعًا ليلحقوا بتوزيع الطعام في التكيات، أو للوقوف على طابور المياه، أو جمع الحطب من مناطق قريبة على مناطق عسكرية مثل محور نتساريم.
ما زلنا نواصل تعليمهم حسب منهاج وزارة التربية والتعليم، لكننا غير معنيين في إنهاء المنهاج لهم، المهم أن يتعلّم الأطفال مهارات التعليم الأساسي من قراءة وكتابة وحساب، وأنا أيضًا أواصل التعلّم. انضممت إلى منتدى معلمين في واحدة من المؤسسات غير الربحية، وأتلقى فيه دورات تدريبية في التعامل مع الأطفال وأساليب تدريسهم.
في هذه الأيام، خرّجنا الدفعة الثانية، أسمينا هذه الدفعة «فوج بذور الأمل» جهزنا لهم قاعة في نادي خدمات النصيرات، طبعنا شهادات 100 طفل، من صف الروضة، ومن الصفين الأول والثاني، أمضوا معنا تسعة أشهر، أحاول تأمين هدايا التخرج، قطع بسكويت صغيرة وعلب عصير، ولم نستطع للآن، لكن: «مش يأسانة ورح أدبرهم».
تخرّج فوج «بذور الأمل» بالفعل يوم الأحد في حفل أقيم في نادي خدمات مخيم النصيرات، وقد حصل الأطفال على هدايا تخرج، كانت أكياس أندومي وعلب عصير. واحدة من أمهات الأطفال كتبت للمعلمة ختام قائلة: «من زمان ما فرحت متل اليوم، يعطيكم ألف عافية لكل الطاقم ومِس ختام، عقبال ما توقف الحرب» وبعثت ختام برسالة قصيرة لنا: «اليوم كان الحفل، والآن، نفسي أظل نايمة شهر».
عن حبر










































