منذ نهاية مشاركة المنتخب الوطني في كأس أمم إفريقيا، لم تهدأ الأسئلة داخل المشهد الكروي المغربي. غير أن ما يجري اليوم في كواليس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم يتجاوز مجرد تغيير تقني على رأس العارضة، ليطرح إشكالاً أعمق يتعلق بثقافة التدبير، وطريقة إدارة لحظات الانكسار، وحدود المسؤولية بين المؤسسة والمدرب.
بحسب المعطيات المتداولة، فإن الجامعة تحاول إقناع وليد الركراكي بحضور ندوة صحفية لتوديعه رسميًا وتسليم المهام لخلفه، في مشهد يراد له أن يكون عنوانًا لـ”الانتقال السلس”. لكن السؤال الجوهري ليس في شكل الندوة، بل في السياق الذي جاءت فيه.
الركراكي، الذي قاد المنتخب إلى واحدة من أبرز المحطات في تاريخه الحديث، وجد نفسه بعد الإقصاء القاري في قلب عاصفة إعلامية، اتُّهم خلالها بمطالبة الجامعة بمبالغ مالية مقابل الرحيل.
بغض النظر عن صحة تلك الادعاءات من عدمها، فإن ما يثير الانتباه هو غياب تواصل رسمي واضح وسريع من المؤسسة لوضع حد للتأويلات. في عالم كرة القدم الحديثة، المعركة لا تُدار فقط داخل الملعب، بل كذلك في فضاء الرأي العام.
إذا كان المدرب قد قدم استقالته مباشرة بعد نهاية المشاركة، كما تفيد المعطيات، فإن ذلك يدخل ضمن منطق تحمّل المسؤولية الرياضية.
غير أن إدارة ما بعد الاستقالة تظل اختبارًا حقيقيًا لنضج المؤسسة. فهل المطلوب اليوم صورة وداع بروتوكولية لتجميل المشهد؟ أم مصارحة صريحة تشرح للرأي العام ما جرى، وتحدد المسؤوليات بوضوح؟
من زاوية تحليلية، تبدو الجامعة حريصة على إخراج الانفصال في قالب توافقي يحفظ صورة الجميع، وهو أمر مفهوم من منظور الاستقرار المؤسساتي. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الإنساني والمهني للمدرب، الذي قد يرى في الندوة المشتركة محاولة لتجاوز مرحلة يعتبرها غير منصفة في حقه.
القضية هنا ليست صراعًا شخصيًا، بل هي انعكاس لطريقة تدبير الأزمات في الرياضة الوطنية. ففي اللحظات الصعبة، تحتاج المؤسسات إلى خطاب موحّد، وإلى حماية أطرها التقنية من الحملات غير المؤكدة، كما تحتاج في الوقت نفسه إلى وضوح في القرارات.
مهما كان مآل هذا الملف، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة تقييم شاملة: ليس فقط للخيارات التقنية، بل كذلك لآليات التواصل والحوكمة داخل المنظومة الكروية. لأن المنتخبات لا تُبنى بالنتائج وحدها، بل بثقافة مؤسساتية تحترم الكفاءة، وتدير الخلاف باحتراف، وتفصل بين النقد المشروع والتشويه.
وفي انتظار البلاغ الرسمي، يبقى الدرس الأهم أن قوة أي مؤسسة رياضية لا تُقاس فقط بلحظات التتويج، بل بكيفية تعاملها مع لحظات التعثر.









































