في لحظة تتسارع فيها مؤشرات الإصلاح التربوي بالمغرب، أعاد تقرير “تقييم التعليم الأولي بالمغرب” الصادر في دجنبر 2025 عن الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بشراكة مع اليونيسيف، تسليط الضوء على قطاع حيوي يُعدّ حجر الأساس لأي تنمية بشرية مستدامة، لكنه يكشف في الآن ذاته عن فجوة مقلقة بين منطق التعميم الطموح ومتطلبات الجودة الفعلية.
التقرير، الذي شمل 192 دولة في مؤشرات مقارنة دولية، لا يقدّم المغرب بوصفه حالة متعثرة، بل كبلد يحرز تقدّمًا رقميًا لافتًا في الولوج، لكنه لا يزال في طور بناء نموذج متوازن قادر على ضمان تعلّم مبكر عادل ومستدام.
قفزة التعميم… أرقام تصنع التحوّل
خلال عقدٍ كامل (2015–2025)، ارتفعت نسبة الأطفال في سن 4 و5 سنوات المستفيدين من التعليم الأولي من 50.2% إلى 70.4%، في تطوّر كان سيُقرأ قبل سنوات بوصفه طموحًا بعيد المنال، لكنه تحقق بفضل توسّع قوي في العرض العمومي الذي انتقل من 6185 وحدة إلى 23182 وحدة بين 2018 و2025، مقابل تقلّص حاد في الوحدات غير المهيكلة التي تراجعت من 18882 إلى 4946 وحدة، وهو ما يعكس انتقال القطاع تدريجيًا من الفوضى الهيكلية إلى التأطير المؤسساتي.
الأكثر دلالة في هذا التحوّل، أن الولوج في الوسط القروي سجّل قفزة نوعية، إذ بلغ 75.6% متجاوزًا الوسط الحضري (66.8%)، كما تحقق تقارب شبه كامل في التكافؤ بين الجنسين، حيث استفادت 71.1% من الفتيات مقابل 69.8% من الفتيان خلال الموسم الدراسي 2024–2025.
ولم يكن هذا التقدّم معزولًا عن الاستثمار العمومي، فقد تضاعفت الميزانية المخصصة للتعليم الأولي من 1.13 مليار درهم إلى حوالي 3 مليارات درهم بين 2019 و2025، مع انتقال تدريجي لثقل الإنفاق من الاستثمار إلى التسيير، في مؤشر على استدامة التمويل بدل ظرفيته.
جودة التعلمات… نجاحٌ متوسط يخفي تباينات عميقة
رغم دينامية التعميم، يقدّم التقرير قراءة أكثر تحفظًا على مستوى جودة التعلمات، حيث بلغ المعدل العام لمكتسبات الأطفال 62 نقطة من أصل 100، متجاوزًا عتبة 50 نقطة لدى 75% من الأطفال، دون اختلاف دال بين الجنسين (63 للفتيات مقابل 62 للفتيان)، لكنه يُظهر فجوة مجالية واضحة بين الحضري (66 نقطة – 86% فوق العتبة) والقروي (58 نقطة – 64% فوق العتبة).
وعلى مستوى أنماط التعليم، يسجل القطاع الخصوصي أعلى المعدلات (71 نقطة لـ23% من الأطفال)، يليه التعليم غير المهيكل (67 نقطة لـ13% من الأطفال)، فيما يتراجع التعليم العمومي إلى 57 نقطة، والشراكة إلى 61 نقطة، مع الإشارة إلى أنهما يستقبلان معًا ثلثي الأطفال، ما يجعل سؤال الجودة أكثر إلحاحًا في القطاعين ذوي الثقل الأكبر اجتماعيًا.
أما على مستوى المجالات، فيظل النمو الاجتماعي-العاطفي الأفضل (68 نقطة)، يليه ما قبل الرياضيات (65 نقطة)، بينما تُعدّ القراءة والكتابة المبكرة الحلقة الأضعف بـ56 نقطة، مع صعوبات بارزة في التعرّف على الحروف وأسمائها، رغم توفر الكتب داخل الفصول بنسبة 93%، وهو ما يعني أن الأزمة ليست في الوسائل وحدها، بل في طرائق التعلّم.
بيئة التعلم… بنيةٌ تحتية تُنجز جزئيًا وإنصافٌ اجتماعي غير مكتمل
يُظهر التقرير مفارقات مقلقة على مستوى بيئة التعلم، إذ إن 53% من أولياء الأمور، خاصة الأمهات، لا يتجاوز مستواهم الدراسي الابتدائي، بينهم 28% غير متمدرسين، كما تعيش 36% من الأسر بدخل شهري أقل من 2500 درهم، و33.5% بين 2500 و5000 درهم، مقابل 30% فقط يفوق دخلها 5000 درهم.
ورغم أن 86% من الأطفال يلتحقون بوحدات متصلة بماء الشرب، فإن 31% فقط يستفيدون من مرافق صحية تستوفي المعايير، فيما لا تتجاوز نسبة الأطفال الذين يغسلون أيديهم بالصابون قبل الوجبات داخل المؤسسات 38%، كما لا تتعدى نسبة إدماج الأطفال في وضعية إعاقة 1.2%، وهو رقم شديد الهشاشة إذا ما قيس بحجم الفئات التي تحتاج تعليمًا منصفًا دون إقصاء. غير المهيكل (23%). .











































