بعد تعيين الحكومة الجديدة، عاد ناصر بوريطة لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي، واعتبر البعض أن هذا أمر مهم جدا، لكن جل من يدافع عن هذا الطرح لا يكشف لنا، باعتبارنا مواطنين مغاربة، عن الفتوحات التي قام بها هذا الذي سماه البعض “أسطورة”، وإذا كانت بالتعريف الدارج كونها قريبة من الخرافة فهذا قريب من الصواب، ونسب إليه البعض كل منجزات الديبلوماسية المغربية، وهي عنوان أكبر بكثير من وزير، إلا إذا كان الوزير يتوفر على كاريزما متميزة فإن بصماته تظهر عليها.
حاولت جهات معروفة التسويق لبوريطة كوزير لا مثيل له. حقيقة الكاف للتشبيه، لكن واقع الأمر غير ذلك. ليست لدى بوريطة القدرات التي تجعل منه أحسن وزير خارجية في تاريخ المغرب، فمن المسموح للجميع أن يقوموا بالمناكفات، بل حتى يتجاوزوا حدود اللياقة في مخاطبة الآخر، بينما وزير الخارجية، هو آخر من يفقد توازنه حتى في الحروب، لكن دور الديبلوماسية ليس قطع العلاقات ولكن تفاديها.
فوزير الخارجية هو الذي تكون لديه القدرة على تلقي الضربات وحتى الموجعة منها، وهو يبتسم ويعرف كيف يحولها إلى سلاح في وجه الخصم، ويبحث كيف يردها لكن بصبر وأناة وديبلوماسية أيضا، وليس من مهام الوزير المواجهة عبر الملاكمة مثلما حدث ذات يوم، في إحدى الدول الإفريقية، وهو وزير لديه حراس شخصيون ومتوفر من يدافع عنه، وتبادل اللكمات مع بلطجية هو مسرحية غير مسموح لوزير وديبلوماسي المشاركة فيها.
يحاول الذباب الالكتروني، الذي يبدو أن هناك من يصرف عليه بسخاء، تقديم وزير الخارجية بوريطة على أنه “معصوم” من الخطأ وأن كل ما قام به لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، وهذا غير ممكن. ونذكر بوريطة بمذكرات هنري كيسجنر، ثعلب الديبلوماسية في العالم خلال القرن العشرين، وأشهر وزير خارجية في العالم، واختار لكتابه المكون من مجلدين ضخمين عنوان “مذكرات” نكرة بدون أل التعريف اعترافا منه بالتقصير في سرد الوقائع.
لكن ما يهمنا من مذكراته هو أن وزير الخارجية، الذي كان يصافح رؤساء الدول، بل هم من يتمنى ذلك، يعترف بأنه أخطأ في هذا الموضوع، ولم يتوفق هنا، وتم تضليله هناك، وأن الملف الفلان الفلاني كانت فيه واشنطن “خارج اللعبة”، وغيرها من الاعترافات بالفشل، إلا ديبلوماسية بوريطة فإنها لا تعترف بذلك، ونحن نقول ما يجعل ديبلوماسيتنا بعيدة عن كثير من الأخطاء، غير تلك التي يرتكبها الوزير، هو أن هذا المجال يقف وراءه جلالة الملك محمد السادس بما يملك من كاريزما وعلاقات شخصية قبل دولتية، و”مول المقص” هو فقط ينهي المهمة التي هي أكبر منه.
سيرغي لافروف، وزير خارجية روسيا صاحب الكتب الكثيرة في علوم الديبلوماسية في انتظار أطروحات بوريطة، والذي يمكن أن يعادل كيسجنر في هذا الزمن، سمى مذكراته “نحن أمة مهذبة”، ليس كناية على الأمة الروسية ولكن على ديبلوماسيتها، فكثير من أخطاء بوريطة الناتجة عن “التوحش” في التعاطي الديبلوماسي، اصلحتها التدخلات الملكية الرزينة، التي يقدرها قادة العالم.
لا نريد إنشاء وكلاما فراغا وانتصارات وهمية، مع العلم أن المغرب يحقق انتصارات كثيرة في جبهات متعددة، لكن بفضل حكمة وصبر جلالة الملك، وبفضل رؤيته المتبصرة للأحداث والوقائع والتطورات، في حين لم يكن بوريطة صاحب “لسان” ديبلوماسي، وهي فكرة يعرفها حتى عامة الناس، فالديبلوماسية ينطبق عليها المثل المغربي “بالمهل يتاكل بودنجال”.
بالديبلوماسية يمكن تفادي عداوات غير مرغوب فيها في لحظة ينبغي أن تركز فيها على عدو حقيقي وعدم صناعة أعداء جدد، وكلما قمت بتحييد بعض البلدان فقد ربحتهم. وفي الختام لابد من التمييز بين لوك الوزارة ولوك الوزير.









































