لم تمنع الإعاقة الذهنية الشاب بول العربي معمر (Paul Mamere)، البالغ من العمر 24 سنة، من أن يسطّر اسمه في تاريخ الإعلام المغربي، بعدما تمكن مطلع يوليو الماضي من الحصول على شهادة الإجازة في الصحافة من المعهد العالي للإعلام والاتصال (ISIC) بالرباط، ليكون بذلك أول طالب من حاملي «التثلث الصبغي 21» يحقق هذا الإنجاز غير المسبوق.
نجاح بول، الذي وُلد في باريس عام 2001 من أب مغربي وأم ألمانية، لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عزيمة صلبة وإصرار استثنائي، جعلاه يقهر المستحيل ويتجاوز نظرات الشك. فقد شق طريقه بين المقاعد الجامعية بنفس الروح التي دفعته، عام 2021، لأن يكون أول تلميذ حامل لمتلازمة داون يحصل على شهادة الباكالوريا من مدارس البعثة الفرنسية، في إنجاز دولي ظل يتردد صداه داخل 139 بلداً.
قصة إصرار تتجاوز الإعاقة
يقول مقربون من محيطه إن الدعم الأسري، خصوصاً من والده الذي يشتغل أستاذاً للغة الفرنسية، شكّل سنداً محورياً لمسيرته. لكن ما يميّز بول حقاً هو إيمانه بأن «الإعاقة ليست عائقاً أمام النجاح»، وهو الشعار الذي يرفعه عبر قناته على «يوتيوب» التي تحولت إلى منصة مؤثرة، جمعت لقاءات مع شخصيات بارزة من قبيل جياني إيفانتينو، ناصر الخليفي، ماحي بينبين، عمر هلال، رشيدة داتي، أندري أزولاي، وصولاً إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
كما سبق لبول أن ألقى خطاباً داخل البرلمان المغربي حول قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة، مقدماً نفسه ليس فقط كطالب إعلامي، بل كصوت مناصر للإدماج وكسر الصور النمطية.
إشادة أكاديمية ودولية
وصف عبد اللطيف بنصفية، مدير المعهد العالي للإعلام والاتصال، هذا التخرج بـ«عنوان نجاح كبير جداً للمعهد وللمشهد الإعلامي الوطني والدولي»، مؤكداً أن بول يجسد «رمزاً للعزيمة التي لا تخفت».
بحث تخرجه حول «إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في الإعلام»، الذي نوقش في الموسم الجامعي 2024 – 2025، نال إشادة واسعة بفضل دقته الإنسانية والأكاديمية، وعرض خلاله فيلماً وثائقياً استثنائياً تضمن شهادات وطنية ودولية نوهت جميعها بمساره.
طموح نحو الماستر
اليوم، بعد أن طوى صفحة الإجازة، يفتح بول معمر عهداً جديداً في مساره العلمي والمهني، واضعاً نصب عينيه هدف الولوج إلى سلك الماستر في الإعلام الرقمي والسمعي البصري، من أجل صقل تجربته ومراكمة خبرة أكاديمية أوسع تفتح له أبواباً جديدة في عوالم الصحافة والاتصال.
بول، الذي يتقن الفرنسية والألمانية والإنجليزية والإسبانية إلى جانب العربية، يرى أن طموحه الجامح لا يقف عند حدود الشهادة، بل عند الإسهام في تعزيز صورة المغرب كبلد رائد في مجال الإدماج وتكافؤ الفرص، وإثبات أن الإرادة قادرة على تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وأن النجاح لا يعترف بالإعاقة.









































