بمناسبة اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة، يعود النقاش في المغرب إلى الواجهة حول واقع هذه الفئة، بين طموح النصوص القانونية وحدود التنزيل الفعلي على الأرض. فبين دستور 2011 المتقدم، والقانون الإطار 97.13، ومصادقة المملكة على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تظل الفجوة قائمة، بل ومقلقة، بين الالتزام النظري والممارسة اليومية.
التحذير الذي أطلقته المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة ليس معزولا، بل يعكس واقعا مركبا تتداخل فيه عوامل التعليم، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، لتنتج ما وصفته بـ”الإقصاء البنيوي”. أرقام صادمة تكشف أن أكثر من 60% من الأطفال في وضعية إعاقة خارج المنظومة التعليمية، في تناقض صارخ مع مبادئ التعليم الدامج، بينما تتفاقم الهوة أكثر لدى الفتيات، حيث تتجاوز نسب الأمية 60%.
هذا الوضع لا يقف عند حدود المدرسة، بل يمتد إلى سوق الشغل، حيث لا تتعدى نسبة النشاط 13%، ما يعكس ضعف الإدماج الاقتصادي، ويطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة السياسات العمومية في تحقيق تكافؤ الفرص. وفي ظل موجة الغلاء، تتحول كلفة الإعاقة إلى عبء ثقيل على الأسر، إذ تستهلك ما بين 20% و40% من دخلها، مما يدفع بها نحو الهشاشة والفقر.
الأكثر هشاشة داخل هذه الفئة هن النساء، اللواتي يواجهن تمييزا مضاعفا يجمع بين الإعاقة والنوع الاجتماعي. فحسب المعطيات المتداولة، تظل النساء في وضعية إعاقة الأكثر عرضة للعنف، بما فيه العنف الجنسي، في ظل محدودية آليات الحماية وصعوبة الولوج إلى العدالة. وهو ما يعكس خللا عميقا في تفعيل الضمانات القانونية، رغم وجود ترسانة تشريعية متقدمة.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية الولوج إلى العدالة كأحد أبرز التحديات، بسبب غياب الترتيبات التيسيرية، ونقص مترجمي لغة الإشارة، وعدم ملاءمة الفضاءات القضائية. كما يشكل ضعف الولوج إلى المعلومة، خاصة بصيغ ميسرة، عائقا إضافيا يحرم هذه الفئة من ممارسة حقوقها بشكل كامل.
سياسيا، لا تزال المشاركة ضعيفة داخل المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار، في تعارض مع مقتضيات المشاركة المنصوص عليها دوليا. وهو ما يطرح سؤال التمثيلية، ومدى إدماج هذه الفئة في صياغة السياسات التي تهمها بشكل مباشر.
إن جوهر الإشكال، كما تؤكد المنظمة، لا يكمن في غياب القوانين، بل في استمرار منطق “الإحسان” على حساب “الحقوق”. وهو منطق يختزل الإعاقة في بعدها الاجتماعي الضيق، بدل اعتبارها قضية حقوق إنسان تستوجب سياسات عمومية دامجة، قائمة على الكرامة والمساواة.
وفي المحصلة، يبدو أن الرهان الحقيقي في المغرب اليوم لم يعد تشريعيا بقدر ما هو تنفيذي، يتطلب إرادة سياسية واضحة، وتنسيقا مؤسساتيا فعالا، واستثمارا حقيقيا في الإنسان. فبغير ذلك، ستظل النصوص حبراً على ورق، وستبقى فئة واسعة من المغاربة خارج معادلة التنمية، في تناقض مع روح الدستور والتزامات الدولة الدولية.









































