عاد موضوع المراجعات الضريبية إلى صدارة النقاش العمومي في المغرب، خاصة في ظل ارتفاع الحاجة إلى موارد مالية إضافية لدعم المشاريع الكبرى التي انخرطت فيها الدولة خلال السنوات الأخيرة. ويبدو أن سنة 2025 لا تخرج عن هذه القاعدة، إذ شهدت الأسابيع الماضية تزايداً في تداول أخبار عن شروع مصالح الضرائب في تنفيذ مراجعات واسعة طالت رجال أعمال ومنعشين عقاريين ومقاولات تنشط في مدن تعرف دينامية اقتصادية كبيرة مثل الدار البيضاء وطنجة والرباط ومراكش. هذا الحراك الضريبي يعكس، بحسب خبراء، توجهاً حكومياً واضحاً نحو الرفع من التحصيل وتكريس العدالة الجبائية.
و يرى عدد من المحللين أن الدولة باتت تعول بشكل أكبر على المداخيل الضريبية لتمويل ميزانيتها، خصوصاً بعد الارتفاع الملحوظ في وتيرة المشاريع الاستثمارية الكبرى وبرامج الدعم الاجتماعي. ويؤكد خبراء اقتصاديون أن التحصيل الضريبي شهد تطوراً مهماً خلال الأربع سنوات الأخيرة، إذ تمكنت الحكومة من مضاعفة مداخيل الضرائب تقريباً بين 2021 و2025، وهو ما يعكس، وفق قراءتهم، نجاعة الإصلاحات الجبائية وتزايد فعالية آليات الرقابة المالية.
ويبرز اقتصاديون أن الإصلاحات التي أدخلتها الحكومة على الضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات ساهمت في توسيع الوعاء الضريبي، كما مكنت خزينة الدولة من توفير موارد إضافية مكنتها من تغطية جزء مهم من حاجيات التجهيز والاستثمار والتسيير، إلى جانب المساهمة في خفض الضغط على الدين العمومي. وتعتبر هذه الإصلاحات خطوة ضمن استراتيجية شاملة تروم تحديث النظام الجبائي وتقليص الفوارق بين الملزمين.
ويؤكد خبراء أن العدالة الضريبية أصبحت اليوم محوراً أساسياً في النقاش، باعتبارها شرطاً لخلق منافسة اقتصادية متوازنة. وتنامت في السنوات الأخيرة شكايات من مقاولات تعتبر نفسها متضررة من الممارسات غير القانونية التي تقوم بها شركات منافسة، سواء عبر التهرب أو الغش الضريبي. ويشير متخصصون في المجال إلى أن الوضع أصبح يتطلب صرامة أكبر في مراقبة الحسابات والعمليات المالية، خاصة في القطاعات التي تعرف نشاطاً كبيراً وغير مهيكل، حيث يتم تداول أرقام مهمة دون أداء ما يترتب عن ذلك من واجبات جبائية.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن المراجعات الضريبية التي تقوم بها مصالح الضرائب مع نهاية السنة لا تأتي فقط لتحقيق مداخيل إضافية، بل تهدف أيضاً إلى تصحيح الاختلالات التي تعيشها بعض المقاولات، سواء عن قصد أو نتيجة أخطاء في التصريح أو في احترام القوانين. وتُعرف هذه المراجعات بكونها آلية قانونية ودورية تسمح للدولة بالتأكد من احترام الشركات للمقتضيات الجبائية، وتفادي استمرار السلوكيات التي تشجع على التهرب أو السهو.
كما أن المراجعات الضريبية، بحسب متخصصين، لا تستهدف فئة اقتصادية بعينها، بل تشمل مختلف القطاعات، مع التركيز على العمليات المالية والضريبية التي تشوبها اختلالات واضحة. وتشمل هذه المراجعات، في بعض الحالات، التدقيق في الأجور والتصريحات المتعلقة بالموظفين، وما إذا كانت الشركات تلتزم بالآجال القانونية للتصريح وبأداء المستحقات الاجتماعية المترتبة عنها.
رغم ذلك، يثير هذا الحراك الضريبي نقاشاً واسعاً وسط الرأي العام. فهناك من يرى أن المراجعات تُمارس بشكل أكبر على الفئات الصغيرة والمتوسطة، بينما تبقى المقاولات الكبرى أقل عرضة لهذه الإجراءات بفضل علاقاتها أو قدرتها على التفاوض. وتنتشر شكايات مواطنين يعتبرون أن النظام الجبائي لا يزال معقداً بالنسبة إليهم، وأن تعدد المساطر يفتح المجال أمام الأخطاء واللتباس، ما يدفع بالكثير منهم إلى دفع مبالغ إضافية أو التعرض لعقوبات التأخير بسبب عدم التواصل الواضح بين الإدارة والملزمين.
في المقابل، هناك من يطالب بتوسيع الوعاء الضريبي ليشمل أنشطة اقتصادية واسعة لا تزال خارج السيطرة، مثل كراء الشقق أو بعض الخدمات المهنية التي تتم دون فواتير، معتبرين أن إصلاح النظام الجبائي لن يكون فعالاً إلا إذا ركزت الدولة أيضاً على محاربة القطاع غير المهيكل الذي يحقق أرباحاً كبيرة دون أداء ضرائب مقابلة. ويذهب رأي آخر إلى ضرورة تحديث الرقمنة في عدد من المهن وتوحيد طرق التصريح، مما يسهل على الملزمين أداء واجباتهم ويقلص هامش الأخطاء.
ويرى مواطنون أن الضريبة واجب وطني، لكن يجب أن تظل في حدود المعقول وألا تتحول إلى مصدر قلق للمواطن العادي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعمليات بيع أو شراء عقارات أو ممتلكات يتم فيها أداء الضرائب مسبقاً لدى الموثق، ثم يعاد استدعاء المواطن بعد سنوات للمراجعة، ما يجعل الكثيرين غير قادرين على تغطية مبالغ إضافية. ويؤكدون أن تبسيط المساطر وتوعية المواطنين بدور الضرائب في تمويل الصحة والتعليم والأمن والبنيات التحتية كفيل بتعزيز الثقة بين الإدارة والملزمين.
من جهة أخرى، تتعالى أصوات تنتقد ما تعتبره ضغطاً جبائياً غير متوازن، يتركز على الفئات الأقل قوة في السوق، بينما تستفيد شركات كبرى من إعفاءات أو صفقات ضخمة، ما يخلق إحساساً بعدم تكافؤ الفرص ويثير شكوكاً حول كيفية توزيع الموارد بعد جمعها. ويطالب هؤلاء بإرساء آليات مراقبة مستقلة تضمن توجيه العائدات الضريبية نحو تحسين الخدمات الاجتماعية الأساسية بدل إعادة تدويرها في صفقات يُنظر إليها على أنها غير واضحة أو غير ذات أثر ملموس على المواطن.
وبرغم هذا الجدل، يؤكد المتتبعون أن النظام الضريبي المغربي يسير نحو مزيد من الصرامة والتنظيم، وأن المراجعات الضريبية أصبحت أداة ضرورية لضبط المالية العمومية ومنع استمرار الممارسات غير القانونية. ويعتبر الخبراء أن التحدي اليوم يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الصرامة في التحصيل، والمرونة مع المواطنين والمقاولات الصغيرة، باعتبارها مكوناً حيوياً في النسيج الاقتصادي الوطني.
ويبدو أن المغرب في طريقه إلى تكريس نموذج جبائي يقوم على الرقابة الفعالة، والإصلاح المستمر، ومواصلة إدماج الأنشطة التي ظلت على هامش النظام الضريبي. وبينما يطالب المواطنون بمزيد من الشفافية والإنصاف، تراهن الدولة على هذه المراجعات لتحسين مداخيلها، وتعزيز العدالة الجبائية، وبناء اقتصاد أكثر توازناً وقدرة على مواجهة تحديات السنوات المقبلة.










































