كشف النقاش الأكاديمي حول تحولات الحقل الحزبي في المغرب عن أزمة عميقة تتجاوز مجرد أداء الأحزاب، لتصل إلى طبيعة النظام السياسي نفسه، وطبيعة التوازنات السياسية، وفي هذا السياق، قدّم عدد من الباحثين قراءات نقدية لما تعيشه الأحزاب اليوم، مؤكدين أن ضعفها البنيوي لم يعد مجرد نتيجة، بل صار عاملاً أساسياً في تعثر السياسات العمومية وفشل جزء من برامج الحكومات المتعاقبة.
وأكد الأستاذ الباحث في علم الاجتماع والعلوم السياسية محمد الطوزي أن طبيعة الحقل السياسي المغربي، المتسمة بـ”الهشاشة الديمقراطية”، تفرض على الأحزاب هامشاً ضيقاً للعمل، يتّسع حين تتقدم الديمقراطية ويتقلص حين تتراجع. وفي هذا الهامش المحدود، تُظهر التجربة أن هناك أحزاباً تشتغل وأخرى لا تملك القدرة أو الإرادة على الاشتغال. ولتقييم الأداء الحزبي، يشير الطوزي إلى مؤشرات ملموسة مثل الأسئلة البرلمانية، التعقيبات، وإيقاع المؤتمرات الداخلية، وهي كلها أدوات يمكن من خلالها قياس درجة الحيوية أو الجمود داخل كل حزب.
ويرى الطوزي أن فهم أزمة الأحزاب يمر أولاً بفهم الحقل السياسي ذاته، بما فيه من خصوصيات مرتبطة باقتسام السلطة بين المؤسسة الملكية والطبقة السياسية، وبطبيعة الدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال، ثم تضخم الإدارة الترابية، والمنظومة القانونية التي تؤطر العمل السياسي، وصولاً إلى الرقمنة التي باتت اليوم من أهم المحددات الجديدة للعمل السياسي. هذه العناصر كلها تُنتج بيئة تجعل من الأحزاب كيانات تعمل داخل مساحات محدودة، وتحت ضغوط متعددة لا تختزل في العامل السياسي فحسب، بل تشمل أيضاً التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
ورغم هشاشة الديمقراطية، يلفت الباحث إلى أن المغرب بلد محكوم بالقوانين، وهذه القوانين تصنعها في الأصل الأحزاب داخل البرلمان، وهي نفسها التي تدبر السياسات العمومية من داخل الحكومة، وتنتج النخب التي تؤطر المؤسسات. وبمعنى آخر، فإن الأحزاب موجودة في قلب العملية السياسية، لكن ضعفها يجعل أثرها أقل وزناً مما ينبغي، ويُفرغ جزءاً من الوظائف الدستورية من مضمونها.
وينتقد الطوزي ما يصفه بـ”الحملة الشرسة ضد المنتخبين”، والتي تربط السلوك السياسي المحلي بالفساد بشكل عام. ويعتبر أن الفساد ظاهرة عالمية، وأن جزءاً كبيراً من المنتخبين في المغرب يعملون داخل هامش ضيق، ومع ذلك يحاولون تقديم خدمات يومية وفهم السياسة كممارسة واقعية، وليس فقط كنقاش في الصالونات أو المؤسسات العليا. لكن ضعف الاستقلالية، على مستوى القرار والتواصل والموارد، يجعل تأثير هؤلاء محدوداً.
ويشير الباحث إلى أن اكتساح الإيديولوجيا النيوليبيرالية للحقل السياسي المغربي جعل الأحزاب تتقاسم، بدرجات مختلفة، الاختيارات الاقتصادية الكبرى، حتى وإن اختلفت لغتها أو مرجعياتها الأصلية. فالليبرالية الاقتصادية أصبحت اليوم القاعدة العامة، بينما الليبرالية السياسية مازالت محدودة. وهذا ما يفسر، حسبه، لماذا لا يعني غياب الإيديولوجيا غياب السياسة، فالأخيرة حاضرة بقوة ولكن داخل إطار شديد الضبط.
أما الأستاذ الجامعي وعضو المكتب السياسي لفيدرالية اليسار الديمقراطي، محمد الساسي، فيتوقف عند تحولات أعمق طالت الحقل الحزبي خلال العقدين الأخيرين، والتي جعلت طموح الأحزاب يتحول من السعي إلى الحكم أو المشاركة الفعلية فيه نحو مجرد “التدبير”، أي إدارة السياسات العمومية القائمة دون القدرة على التأثير في المحددات الكبرى لها. ويعتبر الساسي أن القرب من الدولة أصبح المدخل الأساسي لاستخلاص مصادر القوة، وأن الدولة باتت هي التي تعيد هيكلة الأحزاب، وليس العكس.
ويرصد الساسي عشرة تحولات أساسية، أبرزها ما يسميه “الحزب التدبيري”، حيث أصبح هناك اتفاق عام داخل الحقل الحزبي حول فكرة السيادة الملكية باعتبارها مركز القرار والإجماع الوطني. هذا التماهي، حسب تحليله، أسهم في سقوط ما كان يُسمّى “جدار برلين المغربي” بين الأحزاب المحسوبة على السلطة وتلك المصنفة تاريخياً في خانة المعارضة الوطنية. ومع هذا التقارب، تلاشت الفروقات السياسية والإيديولوجية، وأصبح التميّز بين الأحزاب قائماً على التفاصيل وليس على الاختيارات الكبرى.
ويرى الساسي أن ما يجمع الأحزاب اليوم هو أولوية المشاركة الحكومية، ولو على حساب تنازلات استراتيجية. فالحكومة الثلاثية الحالية، حسب تعبيره، ليست استثناءً بقدر ما هي تكريس لنمط جديد، حيث يصبح البقاء في السلطة هدفاً في حد ذاته، بينما تتراجع قضايا الديمقراطية والإصلاح السياسي إلى الخلف، وتتقدم قضايا مثل التطبيع أو الخيارات الاقتصادية الكبرى باعتبارها خطاً أحمر لا يمكن المساس به.
ويستشهد الساسي بتحول آخر يتمثل في الانتقال من الخطاب الوطني والإيديولوجي نحو ما يسميه “خطاب البلازمة”، خطاب مرن لا يحمل مضموناً سياسياً واضحاً، ويتجنب الصدام مع السلطة. كما يشير إلى تحول في مصادر القوة السياسية، حيث أصبح الاقتراب من مراكز القرار بديلاً عن القوة الانتخابية أو التنظيمية، وتغيّر سلم الأولويات داخل الأحزاب التي بات همها الأول هو البقاء في المشهد بأي ثمن.
ويعتبر الساسي أن الحقل الانتخابي أصبح اليوم مركزياً في فهم التحولات السياسية، إذ باتت التنافسية محصورة داخل “العائلة السياسية الواحدة”، وتقلصت الفروقات بين المرشحين، وتنامى العزوف الشعبي، بينما ظهرت أنماط جديدة من القيادات الشعبوية التي تعتمد على الصورة ووسائل التواصل الاجتماعي أكثر من اعتمادها على البرامج أو التاريخ النضالي. ويضيف أن التحالفات السياسية لم تعد ثابتة ولا تعكس أي منطق إيديولوجي، إذ أصبح “الجميع يتحالف مع الجميع”، وتحولت التحالفات غير الطبيعية إلى قاعدة سياسية مقبولة.
ويُجمع الطوزي والساسي، رغم اختلاف زوايا التحليل، على أن الأزمة الحقيقية تكمن في ضعف الأحزاب وعدم قدرتها على إنتاج سياسات عمومية بديلة أو ممارسة ضغط حقيقي داخل المؤسسات. وهذا الضعف ينعكس مباشرة على أداء الحكومة، إذ تتحول البرامج الحكومية إلى مجرد خطط تقنية تُدار من فوق، بينما يتراجع البعد السياسي الذي يعطي لهذه البرامج معناها الديمقراطي.
وفي النهاية، يبدو أن ضعف الأحزاب، سواء من حيث التنظيم الداخلي أو من حيث الاستقلالية، بات عنصراً مركزياً في تفسير فشل جزء من البرامج الحكومية وتراجع الثقة العامة. فالأزمة الحزبية ليست معزولة عن أزمة الدولة، بل هي جزء من منظومة متكاملة تحتاج إلى إصلاح عميق يعيد السياسة إلى الفضاء العمومي، ويمنح الفاعلين السياسيين القدرة على المبادرة، لا فقط على التدبير في ظل الهامش الضيق.










































