محمد فارس
يقول الفيلوسف الأمريكي الشّهير [دايْڤيد ثورو]: [إنّ الكذب الذي خلفنا، والكذب الذي أمامنا، لن يكونا بذي أهمّية إذا ما قورِنَا بالكذب الذي يُعشّش في صدورنا]؛ والواقع، هو أنّي ما كنتُ لأخوض في هذا الموضوع، رغمَ أنّنا نعيش بكذبٍ أمامنا، وكذبٍ خلفنا، لكنّ الكذبَ الذي يعشّش في صدورنا، هو أفظع، وأخْبث، ومنه يَصدُر الباطل الذي نُلبِسُه ثوْب الحقّ، ولكنّي سمعْت [العُمْيان] (هكذا تسمّيهم الصّهيونيةُ العالميةُ وتوظّفهم ضد مصالح، ومقدّسات أوطانهم)؛ سمعتُهم يتحدّثون في قنوات، ومواقع الباطل بعْد تجميد [المغرب] لعلاقاته مع [ألمانيا] بسبب مواقفها تجاه قضايا بلادنا، وظنّ هؤلاء [العُمْيان] و[الخونة] المأجورون أنّهم يُحْسِنون صُنعًا بالحديث بالباطل حوْل قضايا بلدهم، والمصيبة هو أنّ قنوات الكذب تقدِّمهم كأنّهم محلّلون، ومعارضون، وحقيقتهُم غيْر ذلك تمامًا، فهم خُدّامٌ لأسيادهم، وخَونة لبلدهم، يتحدّثون بالباطل، لكن ما هو [الباطل] يا تُرى عند الفلاسفة، وجهابذة اللّغة، ونُقّاد المعاني؟
كثيرةٌ هي الكلماتُ التي نعتقد أنّنا نفهم معناها ومبناها، ولكنّنا نَفهمُها فقط بالسّماع والعادة وكثرة الاستعمال غيْر الدّقيق، وكلّما لم تُعجِبْنا فكرة أو موقف، قلنا إنّه باطل فما هو الباطل؟ (الباطل) نقيضُ الحقّ، ويرادفه الخطأ، والكذب، والفساد، والعدم؛ تقول مثلاً: بطل الشّيء بطْلانًا، أي ذهبَ ضياعًا وخسْرانا؛ وبطُل الشّيء: أي سقطَ حُكمُه؛ وأبطل فُلان: أيْ جاءَ بكذبٍ، وادّعى باطلاً.. والباطلُ عند بعضهم، عدمُ مطابقة الحكْم للاعتقاد، وهو في نظرِنا عدمُ مطابقة الفعل الذّهني لموضوعه الخارجي، سواء أكان ذلك الفعل حكمًا أمْ تصوّرًا.. ومعنى ذلك أنّ الحقّ والباطل لا يُستعملان في الاعتقاد والتّصديق فحسْب، بل يُستعملان أيضًا في التصوّر، على الرّغم من أنّ التّصور لا يَنطوي بالفعل على الإيجاب أو النّفي.. والباطلُ إجمالاً هو الذي لا يكون صحيحًا بأصله، على أنّ له في الاصطلاح عدّة معان منها:
1) الباطلُ هو عدم مطابقة الفعل للأمر الذي تريده، فتفْعل فعلاً لأمرٍ ما، وذلك الأمر لا ينشأ عن ذلك الفعل.. (2 والباطل أيضًا هو ما أبطَل الشّرعُ حُسْنَه، وعند الفقهاء الحَنفية هو كوْنُ الفِعل بحيث لا يوصل إلى المقصود الدّنْيَوي أصلاً، وذلك الفعل يُسمّى باطلاً، ولقد قالوا: الباطل ما لا يكون مشروعًا بأصله، ولا بوصفه تمامًا كما هو شأنُ باطل [ألمانيا] والخونة الذين تحتضنهم على أرضها وتوفّر لهم الوسائل والحرية للإساءة لبلدهم [المغرب] ولقضاياه مثْل وحدته التّرابية.. (3 والباطل هو ما لا فائدة منه ولا أثَر، ولا غاية له غيْر الإساءة للغير، قال [ابن باجة]: [إنّ من الأمور التي يجب أن يُعْتَرفَ بها أنّ الطبيعة لا تصنع أمرًا باطلاً، ولا في الوجود أمْر باطل أصْلاً، وكلّ موجود إمّا أن يكون لأجل غيره أو لأجله، وما هو لأجل غيْره فغايتُه اتّصالُه بذلك الشّيء الذي وُجِدَ له] مثل الصّحراء في مغربها، والمغربُ في صحرائه.. (4 والباطلُ من الأعيان ما فات معناه المخلوق له من كلّ وجْه بحيث لم يبْق إلاّ صورته.. (5 والباطلُ من الكلام ما يُلْغى ولا يُلتَفَتُ إليه، لعدم الفائدة في سماعه، ولخُلوِّه من معنى يُعتدُّ به، وإنْ لم يكُنْ كذبًا، ولا فاحشًا مثل ما نسْمعه من الخونة في حقّ بلدهم [المغرب]، ومقدّساته، وقضاياه عبْر وسائل إعلام ألمانية تخدم الباطلَ وتحميه وتشجّعه..
والبُطلانُ بالجملة ضدّ البقاء؛ قال [ابن سينا]: [وليس إذا وجبَ حدوث شيء مع حدوث شيء يجب أن يُبطَل مع بطلانه؛ إنّما يكون ذلك إذا كانت ذات الشيء قائمة بذلك الشيء وفيه، وقد تحدُث أمورٌ عن أمور، وتُبْطل هذه الأمور، وتبقى تلك الأمور إذا كانت ذواتُها غيْر قائمة فيها].. والحقّ والباطلُ يكونان في المعتقدات، والصّدق، والكذب في الأخبار، والأقوال، والصّواب والخطأ في الآراء والمجتهدات.. فهل كان موقف [ألمانيا] صوابًا؟ هل كانت سياستُها تجاه قضايانا صائبة؟ هل كانت على حقّ عندما سمحَت للخونة والعُملاءِ بإمطار بلادنا بالأكاذيب والأباطيل من على تراب [ألمانيا]؟ هل كان [المغرب] على خطإ في اتّخاذ ذلك الموقف بعد أن مُسّتْ مقدّساتُه، ووحدتُه الترابية، مع إهانات كانت [ألمانيا] الصّليبية ترعاها غيْر مكترثة ببلد مستقلّ، ذي سيادة وشعب عريق له كرامة، وتاريخ، وأخلاق تفتقر إليها [ألمانيا] نفسُها تاريخيًا، وسياسيًا واجتماعيا؟ وفي المقالات القادمة، سوف نوضّح للقراء الأمجاد تاريخَ هذه [الألمانيا] إذا كانت قد نسيتْه أو تجاهلتْه، وفيلسوفٌ مثل [هادغير] الألماني يقرّر قائلاً: [التاريخ يوجد أمامنا، لا خَلْفنا]؛ وها هي بلادُه [ألمانيا] تتصرّف لا شعوريًا بمُوجب تاريخ أسْوَد تستبطنُه، وتصْدر عنه، وهي لا تدري؛ فما هو هذا التاريخ الأسود يا تُرى؟ ذاك ما سنراه غدًا، وما سنعرض له من تاريخ [الجرمان] والله وليُّ التّوفيق..










































