مع كل نسخة من كأس أمم إفريقيا، تُعيد البطولة كتابة قواعدها الخاصة، وتُفرز مشاهد لا تتكرر إلا على مسارحها. أحد أكثر هذه السيناريوهات إثارةً ذلك التنافس الموازي داخل التنافس نفسه؛ حين يجد زملاء النادي الواحد أنفسهم وجهاً لوجه، لا دفاعاً عن شعار الفريق، بل عن راية الوطن، في لحظةٍ تتوارى فيها الصداقة خلف صخب المدرجات، وتعلو فيها لغة القميص الوطني فوق أي اعتبار آخر.
هذا تمامًا ما ينتظر الجماهير، مساء اليوم الجمعة، على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، حين يصطدم المغرب بالكاميرون في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا – المغرب 2025. مواجهةٌ تحمل من الإثارة ما يكفي لتكون نهائيًا مبكرًا، لكن داخلها تُروى حكاية أخرى، أكثر تكثيفًا للمعنى: حكاية الظهير المغربي نصير مزراوي والمهاجم الكاميروني بريان مبوميو، زميلي مانشستر يونايتد، اللذين سيتنافسان على الجناح ذاته، في مبارزةٍ تكتيكية قد ترسم ملامح العبور إلى نصف النهائي.
انضم مزراوي إلى “الشياطين الحمر” في صيف 2024 قادمًا من بايرن ميونخ، ليُثبت سريعًا أنه أحد أكثر لاعبي اليونايتد مرونةً وقدرةً على التكيف. لاعبٌ وُلد كظهير أيمن، لكنه لا يتردد في تبديل الأدوار كلما اقتضت الخطة، سواءً في الجهة اليسرى عند عودة أشرف حكيمي، أو حتى في عمق الملعب كلاعب وسط هجومي، كما وظّفه مدربه السابق إريك تين هاج، مستفيدًا من ذكائه التكتيكي الذي يسمح له أيضًا بالتحول إلى مدافع مركزي في الأنظمة الدفاعية الثلاثية.
أما مبوميو، الذي وصل إلى أولد ترافورد في الصيف الماضي، فقد حمل معه وزنًا ماليًا ضخمًا، بلغ 81 مليون يورو، ليصبح سادس أعلى صفقة في تاريخ النادي الإنجليزي، وضلعًا أساسيًا في مشروعه الهجومي. مهاجمٌ شرس في التحولات، سريع في المساحات، ويملك قدرةً عالية على خلخلة الدفاعات، وهي صفات يعرفها عنه مزراوي أكثر من أي خصمٍ آخر، بحكم التدريبات اليومية التي جمعت بينهما على المستوى ذاته من التنافس، ولكن من دون رهانات وطنية.
الآن فقط، تتبدّل الحسابات. فالمعرفة التي كانت سلاحًا للتفاهم داخل الفريق، تتحول إلى أداةٍ لإبطال مفعول الآخر. مزراوي يدرك أسرار حركة مبوميو دون كرة، وزوايا انطلاقاته، واندفاعه في المواجهات الثنائية، بينما يعرف الكاميروني جيدًا صلابة زميله المغربي، وقُدرته على قراءة لحظة التمرير، وذكاءه في إغلاق الممرات من دون ارتكاب أخطاء مكلفة.
هذه “المواجهة داخل المواجهة” تمنح المباراة بعدًا تكتيكيًا إضافيًا، لكنها في العمق ليست سوى انعكاسٍ لصراعٍ أكبر: صراع الرغبة في المجد القاري. فالمغرب، الباحث عن لقبٍ طال انتظاره على أرضه وبين جماهيره، يصطدم بالكاميرون، العملاق التاريخي بخمسة ألقاب، في مباراةٍ لا تحتمل أنصاف الحلول ولا أخطاء التفاصيل.
ورغم أن البطولة فرضت على الركراكي تدبيرًا مختلفًا للغيابات والإصابات، فإن وجود مزراوي في هذه المعركة يُجسد روح المنتخب المغربي في هذه النسخة: لاعبٌ لا يهاب تغيير مركزه، لكنه لا يساوم على أداء مهمته حين يتعلق الأمر بالقميص الوطني.
عند صافرة النهاية، سيعود الاحترام ليحلّ مكان التنافس بين النجمين، وستعود صداقة النادي إلى مدارها الطبيعي، لكن ما سيبقى في ذاكرة البطولة هو تلك اللحظة التي لعب فيها كلٌّ منهما بقلبٍ لا يعترف إلا باسم الوطن، في واحدةٍ من أجمل حكايات “الكان”، وأكثرها تكثيفًا للمعنى، وإخلاصًا لجوهر كرة القدم الإفريقية.
خلاصة المشهد: مباراةٌ قد تختصرها خطط المدربين، لكن البطولة تختصرها، أحيانًا، أقدام اللاعبين… حين يصبح الجناح ساحة حربٍ وطنية، لا ملعبًا لتبادل التمريرات بين الزملاء.










































