نحن شعب يُحب المراقبة. نراقب كل شيء. نراقب الأسواق قبل رمضان، نراقب الأسعار، نراقب صلاحية البيض، ودرجة برودة اللبن، ووزن التمر في الكيلوغرامات المباركة. نراقب التجار كما لو أننا في مسابقة وطنية لاكتشاف “أخطر بائع بطاطس في البلاد”.
ومع اقتراب شهر الصيام، تتحول المراقبة إلى عبادة موسمية. لجان، محاضر، جولات مفاجئة، أختام حمراء، وتصريحات عن “ضرب المضاربين بيد من حديد” — حديد غالباً ما يصدأ بعد العيد مباشرة.
لا يتوقف الأمر عند الأسواق. نحن نراقب الطريق بالكاميرات. كاميرات في كل زاوية، تراقب السرعة، الحزام، الضوء الأحمر، وربما مستقبلاً عدد المرات التي رمشت فيها وأنت تقود. نراقب السير، نراقب الحافلات، نراقب القطارات. حتى القطار الذي يتأخر ساعتين، لا نعرف من يراقب تأخره، لكننا نراقبه وهو يتأخر.
المراقبة أصبحت فلسفة حياة. ثقافة. أسلوب عيش. هناك دائماً من يراقبك. موظف يراقب موظفاً، مدير يراقب مديراً، إدارة تراقب إدارة. تقارير، لجان، لجان لتقييم اللجان، وهيئات لتتبع تتبع التتبع. لو كانت المراقبة تنتج تنمية، لكنا قوة عظمى في مجرة درب التبانة.
لكن، وسط هذا الكرنفال الرقابي، هناك منطقة عمياء لا تصلها الكاميرات: ضمائر السياسيين والمسؤولين الذين يشرفون على كل هذه المراقبات. من يراقب المراقِب؟ من يضع كاميرا داخل الضمير العام؟ من يسجل سرعة الوعود الانتخابية قبل أن تتبخر؟ من يحرر مخالفة في حق مشروع تعثر خمس سنوات لأنه اصطدم ببيروقراطية مبتسمة؟
نراقب الأسواق، لكن لا نراقب تضارب المصالح. نراقب الأسعار، لكن لا نراقب الصفقات. نراقب السرعة في الطريق، لكن لا نراقب سرعة انتقال بعض المسؤولين من خدمة الصالح العام إلى خدمة مصالحهم الخاصة. نراقب التاجر الصغير لأنه لم يشهر الثمن، لكن لا أحد يشهر ثمن الأخطاء الكبرى.
الحقيقة البسيطة — وربما المؤلمة — أن مراقبة الذات أولى من مراقبة الآخرين. قبل أن نضع كاميرا على كل عمود كهرباء، ربما نحتاج مرآة في كل مكتب مسؤول. مرآة تطرح سؤالاً بسيطاً: هل أؤدي عملي بنزاهة؟ هل أراقب نفسي كما أراقب الناس؟
المسؤول الذي يطالب بالمراقبة يجب أن يكون الرجل الخارق في المراقبة قبل أن يطلبها من غيره. عضلات أخلاقية، انضباط ذاتي، وقدرة على تحمل المساءلة قبل فرضها. لأن المراقبة، في جوهرها، ليست عدسة تُثبت على الجدار، بل ضمير يُثبت في الداخل.
وعندما ننجح في مراقبة الضمائر، سنكتشف أن الكاميرات يمكن أن ترتاح قليلاً.










































