كل سنة، وخلال الاحتفالات بعيد العرش، يقدم عينة من المواطنين نيابة عن باقي الشعب البيعة لجلالة الملك محمد السادس، وتتم وفق طقوس تقليدية، وتبقى البيعة هي العنوان التاريخي للحكم في المغرب، وهي ناظمة السلطة، لكن اتخذت أشكالا متعددة، وهي اليوم منسجمة تمام الانسجام مع نمط الحكم الذي ارتضاه المغرب، الا وهو الملكية الديمقراطية الاجتماعية.
في السابق من زمن سالف بالمغرب كانت هناك شخصيات معينة تقدم البيعة، وكان لهذه الشخصيات تمثيلية في المجتمع بواسطة انتخاب طبيعي تفرزه القبيلة والعشيرة، وتفرزه المكانة العلمية، واليوم هناك وسائل أخرى لإفراز النخب وتحديد التمثيليات وانتخاب من ينوب عن الشعب، وهؤلاء من يقوم بتقديم البيعة والولاء لجلالة الملك.
البيعة عنوان كبير يتغير مع الزمن، وكلما تقدمنا في التاريخ تغير قواعد كثيرة، ولا يمكن أن نمر مرور الكرام على ما حدث سنة 2011، في اقتراح الدستور الجديد تم تفكيك الفصل 19 من الدستور السابق إلى فصلين، وهو فصل منهجي وليس عملي، لأن شخص جلالة الملك يجمع بين لإمارة المؤمنين ورئاسة الدولة، بما فيها من تداخلات لا يمكن فصلها ولا يمكن التمييز بينها.
فالفصل الأول من الدستور كان دقيقا لتحديد نمط الحكم في المغرب، الذي هو نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية. ويقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي.
لكن بعد تفكيك الفصل 19، حصلنا في الدستور الحالي على فصلين مختلفين، الفصل 41 يعتبر الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية. ويرأس الملك، أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه. ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى المعتمدة رسميا، بشأن المسائل المحالة عليه، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة. ويمارس الملك الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، والمخولة له حصريا، بمقتضى هذا الفصل، بواسطة ظهائر.
أما الفصل 42 فيعتبر الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة.
وكما قلنا فإن التفكيك الذي تم للفصل 19 في الدستور السابق هو تفكيك منهجي اقتضته الضرورة التاريخية، وهي نفسها الضرورة التاريخية التي جعلت من البيعة الناظمة الكبرى للحكم في المغرب، تجمع ما هو أصيل فيه بما هو عصري، وتستوعب الشروط الحالية لأنماط الحكم وتدمجها في سيرورة تاريخية هي التي خلقت هذا النمط من الحكم، الذي جعل من الأصالة ركيزة ومن المعاصرة منطلقا ومن البيعة ناظمة.









































