أعادت أرقام 2025 للوافدين السياحيين ترتيب خريطة المنافسة في شمال إفريقيا، في سباق محتدم على موقع الوجهة الأكثر جذباً في المنطقة. فبينما اقتربت مصر من عتبة 19 مليون سائح، سجّل المغرب بدوره رقماً تاريخياً بلغ 19.8 مليوناً، ليصبح الفارق بين البلدين قرابة مليون زائر فقط، في تقارب غير مسبوق يعكس عودة القاهرة بقوة إلى سباق الريادة السياحية، بعد سنوات من التفوق المغربي الواضح.
الصحافة المصرية، نقلاً عن بيانات رسمية، أكدت أن 2025 كانت أفضل سنة سياحية في تاريخ البلاد، مع نمو لافت بلغ 21% مقارنة بـ2024، وزيادة في التدفقات تُعزى إلى تحسن العرض السياحي، واستعادة الاستقرار النسبي في بعض المناطق، إضافة إلى الاستثمار المتواصل في الترويج الخارجي. أما وزارة السياحة المغربية فأعلنت أن المملكة قاربت لأول مرة حاجز 20 مليون سائح، محققةً بدورها نمواً بـ14% عن سنة 2024، وهو أداء يعكس استمرار جاذبية المغرب ضمن دائرة الوجهات الصاعدة عالمياً.
لكن، وبخلاف عدد الوافدين الذي بات متقارباً، فإن المغرب حقق تقدماً نوعياً في العائدات السياحية التي بلغت 124 مليار درهم إلى نهاية نوفمبر 2025، بزيادة 19% عن 2024، وهو ما اعتبرته وزيرة السياحة فاطمة الزهراء عمور مؤشراً على تحوّل هيكلي نحو سياحة منتجة للقيمة، أكثر استدامة، وأكثر ارتباطاً بالتنمية الترابية، لا بمجرد الأرقام الخام للزوار.
التسويق… نقطة القوة المفقودة رغم غنى العرض
غير أن تقارب الأرقام مع مصر فتح نقاشاً داخل الأوساط المهنية المغربية حول حدود النمو القائم على الجذب التقليدي، مقابل قصور في التسويق الدولي لصورة المغرب الحقيقية. فالمفارقة اللافتة التي رافقت كأس أمم إفريقيا 2025، أن ملايين المتابعين الأجانب والمؤثرين الذين زاروا المغرب خرجوا بانطباع موحّد: الانبهار بالتنوع الطبيعي، وانسيابية النقل، وجودة البنية التحتية، وهي عناصر لا تزال – رغم قوتها – أقل حضوراً في الحملات الترويجية مقارنة بالموروث الأثري المصري الذي يشكّل عامل جذب دائمًا.
المغرب يمتلك، جغرافياً، ما يشبه خريطة قارة في بلد واحد؛ قمم الأطلس المغطاة بالثلوج، والصحراء الممتدة في الجنوب الشرقي، والسهول الخضراء، وسواحل المتوسط والأطلسي، ومناخات متعددة على مدار السنة. كما يضم مدناً ذات هوية سياحية خاصة مثل تطوان وشفشاون وزاكورة، إلى جانب وجهات عالمية مثل مراكش وأكادير والرباط والدار البيضاء، مدعومةً بشبكة نقل متطورة تشمل القطار فائق السرعة، والطرق السيّارة، والمطارات الدولية. لكن هذه “الثروة” لا تزال تعاني من ضعف في السرد التسويقي الذي يحوّل الإمكان إلى صورة ذهنية عالمية مستقرة.
2026… بين الزخم الظرفي والجذب المستدام
وفي هذا الإطار، حذّر الخبير السياحي الزبير بوحوت من أن تأثير الأحداث الرياضية، رغم إيجابيته اللحظية، يبقى زمنياً ومحدوداً إذا لم يتم الاستثمار في ما بعد البطولة. فمصر – بحسبه – تمتلك ورقة السياحة الأثرية الأكثر قدرة على الصمود أمام الزمن، وقد عززتها مؤخراً بافتتاح المتحف المصري الكبير، الذي يُتوقع أن يشكّل محرك جذب مستدامًا، بخلاف الزخم الرياضي الذي يتراجع أثره سريعًا ما لم يُصاحبه استثمار بنيوي دائم.
المغرب، الذي استفاد فعلياً من دينامية 2025، سيكون أمام تحدي تحويل الانبهار العابر إلى طلب دائم، عبر الاستثمار في الفنادق، الترفيه، التنشيط السياحي، والخدمات التجريبية، وهي القطاعات التي باتت تشكّل الطلب الأعلى لدى السياح عالمياً، خصوصاً في سوق تنافس لم يعد يُحسم بالأرقام فقط، بل بـقوة السرد، وجاذبية التجربة، وقدرة الوجهة على خلق ذكريات قابلة للمشاركة رقمياً.
المنافسة المقبلة… من يفوز بصورة المستقبل؟
السباق المغربي–المصري لم يعد مقارنةً بين هرمين الأطلس والجيزة، بل مقارنة بين نموذجين: الأول يراهن على تراكم التاريخ، والثاني على تنوع الجغرافيا وحكامة التنفيذ. وبين النموذجين، يبدو أن من يكسب معركة الصورة الذهنية أولاً سيكسب معركة الأرقام لاحقاً.
ولذلك، فإن سنة 2026 قد تكون عام إعادة تعريف السياحة المغربية: إما ترسيخ موقع المملكة عبر تسويق أكثر جرأة للتنوع، واستثمارات أكبر في التجربة والترفيه، أو السماح للمنافسة الإقليمية بأن تلتهم الزخم الذي صنعته أحداث 2025.
المغرب اليوم ليس بحاجة إلى أن يكتشف نفسه، بل إلى أن يُعرّف العالم به كما هو… قبل أن يسبق الآخرون إلى رسم صورته نيابةً عنه.









































