نعرف أن الحكومة ترى في التقارير الصادرة عن مؤسسات الحكومة الدستورية منغضا على “منجزاتها” التاريخية، رغم أن كل هذه المؤسسات أصدرت تقارير تشير إلى أن الوضع في بلادنا غير طبيعي، واليوم يصدر تقرير دوري عن المندوبية السامية للتخطيط يخلص إلى أن 92.3 في المائة من الأسر المغربية متشائمة من عدم القدرة على الادخار، الذي يشكل وسيلة مجتمعية لمواجهة تحولات المستقبل “دواير الزمان”، كما يسميها المغاربة.
أرقام مخيفة قدمتها المندوبية السامية للتخطيط، منها أن معدل الأسر التي صرحت بتدهور مستوى المعيشة خلال 12 شهرا السابقة 76 في المائة، وتتوقع 44،9 في المائة من الأسر تدهور مستوى المعيشة خلال 12 شهرا المقبلة و45،4 في المائة استقراره، وتتوقع 71،8 في المائة من الأسر مقابل 14،3 في المائة ارتفاعا في مستوى البطالة خلال 12 شهرا المقبلة، واعتبرت 72،7 في المائة من الأسر أن الظروف غير ملائمة للقيام بشراء سلع مستديمة.
التقرير يتحدث عن تخريب شامل لمفهوم القدرة على العيش. لا تستشكل علينا الحكومة بأن المواطنين يشترون السلع ويصرفون المال. نعم يصرفون ذلك، لكن أغلب الأسر في أعناقها قروض بنكية طويلة الأمد، فأغلب العقارات مملوكة بطريقة “الكريدي” كما تعاني الأسر من قروض استهلاكية كثيرة.
التشاؤم ينبع من الخوف، الذي تخلقه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، والملاحظ أن أغلب الأسر تبني رؤيتها وتصورها للمستقبل على أساس الواقع المرتكز على غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، المسؤول عنها أولا ووسطا وأخيرا الحكومة، التي لم تعالج ارتفاع الأسعار منذ أكثر من ثلاث سنوات وخصوصا في السنة الأخيرة، بل تسببت الحكومة بكثير من الإجراءات في ارتفاع الأسعار والمعيشة، وبالتالي الحكومة هي المسؤولة عن صناعة التشاؤم.
التشاؤم لدى الأسر المغربية مبني على عدم القدرة على الادخار وتدهور مستوى المعيشة وارتفاع نسبة البطالة وعدم القدرة على شراء سلع مستديمة.
الادخار، الذي أصح ترفا اليوم، وسيلة اطمئنان لدى الأسر المغربية منذ زمن بعيد، بواسطته يتم اقتناء المنازل وبواسطته يتم بعث الأبناء للدراسة بالخارج وبواسطته يتم إجراء العمليات الجراجية وبواسطته يتم إقامة الأعراس والحفلات، وقد تعويض الادخار بالقروش التي تثقل الكاهل، وتدخل الأسر في متاهات لا تكتمل فصولها.
الأسر تخاف من المستقبل لأنه لم يعد مضمونا كما كان في الماضي، واصبح التعليم لا يشكل وسيلة بواسطتها ينتقل الطالب من وضع الاعتماد على الأسرة إلى الاستقلال الذاتي، وليس هذا فقط بل مساعدة الأسرة على تكاليف الحياة. لكن شبح البطالة أصبح يخيف الأسر قبل أن يخيف المتمدرسين، لأنهم يرون أجيالا تراكم الخيبات حيث لا فرص تفتح في هذا المجال الذي أصبح بحكومة تمثل “تجمع المصالح الكبرى”.
تشاؤم الأسر لا ينبغي المرور عليه دون الوقوف على ما يمكن أن تترتب عليه من آثار اجتماعية سلبية وهي مقدمات لكل اشكال التدمير الذاتي للمجتمع.










































