ليس من السهل الإمساك بلحظة التحوّل في مسيرة لاعب كرة قدم؛ تلك اللحظة التي ينتقل فيها من خانة “الموهبة المنتظرة” إلى فضاء “اللاعب الحاسم”. غير أن ما يقدّمه هذا الموسم يجعلنا أمام حالة نضج كروي تستحق قراءة مغايرة، بعيدا عن الانبهار السريع أو الأرقام المجردة.
الزلزولي كان دائما لاعبا يلفت الانتباه خلال دقائق قليلة: جرأة في المواجهات الفردية، خفة حركة، وقدرة على كسر النسق الدفاعي. لكن تلك الشرارة، على جمالها، كانت تصطدم في مواسم سابقة بسؤال جوهري: ماذا بعد المراوغة؟ هذا الموسم، يبدو أن السؤال وجد جوابه أخيرًا.
فالجناح المغربي لم يعد يكتفي بصناعة الفوضى في الأطراف، بل صار يحسن إدارة الفعل الأخير، سواء بالتمرير في التوقيت المناسب أو بالإنهاء بثقة داخل منطقة الجزاء.
لغة الأرقام هنا ليست ترفًا تحليليًا، بل دليل إدانة… ودليل براءة في الآن ذاته. في 25 مباراة بمختلف المسابقات، 9 أهداف و6 تمريرات حاسمة، وهي حصيلة لم يبلغها من قبل في هذا التوقيت من الموسم. للمقارنة فقط: أفضل فتراته السابقة، سواء مع أو خلال إعارته إلى ، كانت أقل حسمًا وأكثر اعتمادًا على اللمسة الجمالية لا النهائية. الجديد اليوم أن الزلزولي بات يربط الجمال بالجدوى.
هدفه الأخير أمام لم يكن مجرد كرة في الشباك، بل تلخيصًا لمسار تطور: تمركز ذكي، قرار سريع، وتنفيذ بارد. إشادة مدربه لم تأت من فراغ، حين ربط نضج اللاعب بقدرته على الاستماع، وتقبّل النقد، والتخلي عن عناد الموهبة. في كرة القدم الحديثة، هذه الصفات الذهنية لا تقل قيمة عن السرعة أو المهارة.
من زاوية التدبير الرياضي، يبدو أن التقط اللحظة المناسبة حين ضمّ الزلزولي سنة 2023. صفقة بقيمة 7.5 مليون يورو تحولت، في زمن قصير، إلى أصل استثماري مرشح للارتفاع بشكل لافت، خاصة بعد تقلص نسبة برشلونة من أي بيع مستقبلي. بيتيس لا يملك فقط جناحًا متألقًا، بل يملك ورقة استراتيجية في سوق الانتقالات.
لكن الأهم من كل ذلك، أن الزلزولي لم يعد مجرد لاعب “قادم بقوة”، بل لاعب يفرض نفسه في منظومة جماعية ويجذب أنظار أندية كبرى، خصوصًا من الدوري الإنجليزي الممتاز. هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل سيواصل بيتيس البناء حوله، أم سيجد نفسه أمام عرض لا يُرفض؟ في الحالتين، الرابح الأكبر هو اللاعب نفسه، الذي أعاد تعريف مساره بذكاء وصبر.
عبد الصمد الزلزولي اليوم ليس نسخة محسّنة من موهبة قديمة، بل نموذج للاعب تعلّم أن الموهبة وحدها لا تكفي. وبين شرارة البداية ونضج الحسم، يبدو أنه اختار الطريق الأصعب… والأكثر استدامة.










































