تحولت مدينة القصر الكبير، منذ مساء الاثنين، إلى فضاء شبه خالٍ من سكان عدد من أحيائها، بعدما أطلقت السلطات المحلية عملية إخلاء فوري وواسع النطاق تحسباً لمخاطر فيضانات وشيكة، في ظل معطيات مقلقة بشأن الارتفاع الكبير في منسوب المياه بسد وادي المخازن واحتمال فتح بواباته. وجاء هذا القرار الاستباقي في إطار حماية الأرواح وتفادي سيناريوهات كارثية، خصوصاً في المناطق التي سبق أن شهدت فيضانات جارفة خلال السنوات الماضية.
ومع توالي المعلومات حول بلوغ حقينة السد مستويات قياسية فاقت 140 في المائة، دخلت مدينة القصر الكبير في حالة استنفار قصوى، حيث باشرت السلطات، بتنسيق مع مختلف المصالح الأمنية والوقائية، عمليات إخلاء منظمة شملت أحياء معروفة بقربها من مجرى وادي اللوكوس وبقابليتها العالية للغمر بالمياه. وشرعت فرق ميدانية في طرق أبواب المنازل، مستعينة بمكبرات الصوت، لدعوة السكان إلى مغادرتها بشكل فوري، في مشهد غير مسبوق أعاد إلى الأذهان لحظات الطوارئ الكبرى.
وجابت سيارات السلطات المحلية، مدعومة بعناصر الأمن الوطني والقوات المساعدة، مختلف الشوارع والأزقة، فيما تم تسخير عشرات الحافلات لنقل السكان إلى مراكز الإيواء المؤقتة داخل المدينة أو إلى مدن مجاورة، من بينها العرائش وطنجة. كما جرى نقل عدد من المواطنين إلى محطة القطار، حيث تم تنظيم عملية العبور نحو مناطق أكثر أمناً، في إطار تدبير محكم يراعي سلامة الأشخاص ويجنب أي ارتباك أو فوضى.
وشملت عمليات الإخلاء أحياء الديوان والمرينة وطريق العرائش والأندلس، إضافة إلى مناطق أخرى منخفضة، حيث فُرض منع للتجول من أجل تسهيل تدخل الفرق الميدانية والقيام بعمليات تمشيط دقيقة للتأكد من خلو المنازل من قاطنيها. واعتمدت السلطات في هذه العمليات على وسائل لوجستية متطورة، من بينها معدات ضخ المياه، وآليات ثقيلة، إضافة إلى طائرات مراقبة مسيّرة ساهمت في رصد الوضع الميداني وتحديد النقاط الأكثر عرضة للخطر.
وتأتي هذه الإجراءات في ظل مخاوف حقيقية من احتمال فتح بوابات سد وادي المخازن، وهو ما من شأنه أن يرفع منسوب مياه وادي اللوكوس بشكل كبير، مع توقعات بوصول علو المياه في بعض الأحياء إلى أكثر من خمسة أمتار. وتتعامل السلطات مع هذا السيناريو بجدية قصوى، في ظل تقلبات جوية متسارعة وتهاطل أمطار غزيرة ساهمت في الضغط على البنية المائية بالمنطقة.
وفي مقابل ذلك، تم تعزيز الحضور الأمني في محيط الأحياء التي تم إخلاؤها، لحماية الممتلكات ومنع أي محاولات استغلال للوضع الاستثنائي، فيما واصلت فرق الوقاية المدنية استعدادها للتدخل السريع في حال وقوع أي طارئ. كما جرى تفعيل خلايا اليقظة والتنسيق بين مختلف المتدخلين، من سلطات محلية ومصالح تقنية وأجهزة أمنية، لضمان تتبع تطورات الوضع ساعة بساعة.
وأكدت مصادر محلية أن قرار الإخلاء جاء بناءً على تقييم دقيق للمخاطر، وبهدف تفادي أي خسائر بشرية محتملة، خاصة أن التجارب السابقة أظهرت أن سرعة تدفق مياه وادي اللوكوس قد تشكل تهديداً مباشراً للسكان في حال عدم اتخاذ إجراءات وقائية استباقية. وأضافت المصادر ذاتها أن سلامة المواطنين تظل أولوية مطلقة، حتى وإن تطلب الأمر إفراغ أحياء كاملة وتحويل المدينة مؤقتاً إلى فضاء شبه خالٍ.
ويتابع الرأي العام المحلي والوطني هذه التطورات بقلق، في انتظار ما ستسفر عنه الساعات المقبلة، خاصة مع استمرار التساقطات المطرية وارتفاع منسوب المياه بالسدود. وفي الوقت الذي يلتزم فيه السكان المجلون بتعليمات السلطات، يبقى الأمل معقوداً على أن تمر هذه المرحلة دون تسجيل خسائر، وأن تعود الحياة تدريجياً إلى مدينة القصر الكبير بعد زوال خطر الفيضانات.










































