يشهد المغرب منذ شهور طويلة تصاعداً مقلقاً في أسعار المحروقات، خاصة البنزين والغازوال، ما ألقى بظلاله الثقيلة على مختلف القطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاع النقل الطرقي للبضائع والأشخاص. هذه الأزمة المركبة أعادت إلى الواجهة نقاشات قديمة جديدة حول تسقيف الأسعار، وتدخل الدولة، وفعالية المنافسة في السوق، لكنها، في المقابل، تُهدد بشكل مباشر الأمن الاقتصادي والاجتماعي لفئات واسعة من المواطنين.
و تجاوز سعر الغازوال في بعض المحطات عتبة 15 درهماً للتر، في حين بلغ البنزين حوالي 17 درهماً، وهي مستويات غير مسبوقة منذ تحرير سوق المحروقات سنة 2015. الارتفاع يُعزى إلى تقلبات السوق الدولية، وغياب آليات حقيقية لتقنين الأسعار داخلياً، إضافة إلى غياب شركة لتكرير النفط بعد إغلاق مصفاة “لاسامير”، ما يجعل المغرب سوقاً شبه مفتوح على تقلبات الأسعار العالمية دون درع اقتصادي داخلي.
وتُتهم شركات التوزيع بفرض هوامش ربح مفرطة، في ظل ضعف رقابة مجلس المنافسة وغياب أي تعاقد شفاف مع المواطنين أو مهنيي النقل، وهو ما زاد من تأجيج الاحتقان الشعبي والمهني.
النقل الطرقي في قلب العاصفة
القطاعات الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار المحروقات هي بدون شك قطاعات النقل الطرقي للبضائع والنقل الجماعي للمسافرين، حيث يعاني المهنيون من هشاشة مالية متزايدة. أرباب الشاحنات وسيارات الأجرة والحافلات يشتكون من عدم قدرة الدعم الحكومي المؤقت على مسايرة النسق التصاعدي للأسعار، ما دفع العديد منهم إلى تنظيم إضرابات أو تعليق الخدمات في بعض المناطق.
وفي ظل غياب أي مراجعة جدية لتعرفة النقل أو آلية تسعير مرنة تتلاءم مع التغيرات في سوق الوقود، يجد المواطن نفسه ضحية مباشرة لهذه الأزمة، سواء عبر ارتفاع كلفة التنقل أو تضخم أسعار المواد الاستهلاكية التي تنقل عبر الشاحنات من الموانئ أو المراكز الفلاحية إلى الأسواق.
تأثير أسعار المحروقات لا يقف عند النقل فقط، بل يمتد إلى سلاسل التوريد بكاملها. فقد أضحى نقل البضائع، خاصة المواد الغذائية والمنتجات الفلاحية، مكلفاً أكثر من أي وقت مضى، ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار البيع بالتقسيط. المواطن المغربي، خاصة في القرى والأحياء الهامشية، يدفع اليوم ثمن هذه الفوضى عبر غلاء المعيشة، ونقص بعض المواد، وغياب الاستقرار في الأسعار.
وتشتكي جمعيات مهنية فلاحية وتجارية من تعطل سلاسل الإمداد أحياناً، بسبب احتجاجات مهنيي النقل، أو بسبب عدم قدرة التجار الصغار على تحمل كلفة الشحن الجديدة.
رغم محاولات الحكومة، منذ سنة 2022، تخصيص دعم مباشر لمهنيي النقل الطرقي عبر منصة إلكترونية، إلا أن الإجراء لم يكن كافياً، لا من حيث المبلغ ولا من حيث الاستمرارية. في ظل تقلب الأسعار، يُطالب المهنيون اليوم بإجراءات أكثر جذرية، مثل:
تسقيف أسعار المحروقات بشكل مرحلي.
إحياء مصفاة “لاسامير” لتقليل التبعية الخارجية.
إعادة تنظيم القطاع وتنقيته من الوسطاء والمضاربين.
إقرار تعرفة نقل عادلة مرتبطة بتكاليف التشغيل الحقيقية.
دعم مهنيي النقل بشكل مباشر ومهيكل، وليس عبر حلول ظرفية.
في غياب حلول استراتيجية، وتزايد الضغوط الاجتماعية، تبدو الأزمة مرشحة للتفاقم. فمع اقتراب موسم الدخول المدرسي، وارتفاع الطلب على التنقل والبضائع، تتخوف النقابات والجمعيات المهنية من عودة موجات الإضرابات والفوضى في الأسواق، ما سيُربك الاقتصاد الوطني أكثر فأكثر.
الحكومة مدعوة اليوم، وبإلحاح، إلى خطة إنقاذ قطاعية تتجاوز الحلول الجزئية، وتُعيد الاعتبار لعدالة الأسعار وتوازن السوق. المواطن المغربي، من جانبه، فقد الثقة في وعود الإصلاح المؤجل، وينتظر إجراءات ملموسة تُخفف عنه ثقل الأزمة .
و اشار التقرير ان اسعار المحروقات ليست مجرد أرقام على لوحات محطات الوقود، بل هي مؤشر حيوي يقيس حرارة الاقتصاد وعدالة الدولة. وكل تأخر في التعامل الجاد مع هذه الأزمة، يهدد بنقل العدوى إلى باقي القطاعات، ويُقرب المغرب من حافة اختناق اقتصادي واجتماعي لا أحد يضمن عواقبه.










































