يتصاعد الجدل في المغرب حول سياسات دعم النقل وأسعار المحروقات، في ظل انتقادات سياسية وتحذيرات اقتصادية متزايدة من تداعيات الوضع الحالي على القدرة الشرائية والأمن الطاقي. وفي هذا السياق، اعتبرت فاطمة التامني أن الدعم الذي تخصصه الحكومة لمهنيي النقل تحوّل إلى “حلقة مفرغة تغذي الريع”، بدل أن ينعكس إيجاباً على المواطنين، داعية إلى مراجعة شاملة للخيارات المعتمدة.
وأوضحت التامني أن الحكومة تواصل ضخ مليارات الدراهم تحت عنوان دعم مهنيي النقل، دون أن يواكب ذلك أي انخفاض ملموس في الأسعار، حيث تستمر كلفة النقل في الارتفاع، ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات، ويزيد من الضغط على القدرة الشرائية للأسر المغربية. وطرحت تساؤلات حادة حول المستفيد الحقيقي من هذا الدعم، في ظل غياب آليات واضحة للمحاسبة أو ربط الدعم بتحديد سقف الأسعار أو مراقبة هوامش الربح.
واعتبرت أن الإشكال لا يتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل بطبيعة السياسة المعتمدة، التي قالت إنها تميل إلى تمويل الوسطاء بدل حماية المستهلك النهائي، وهو ما يكرس اختلالات هيكلية في السوق. وشددت على أن البدائل الحقيقية لا تزال مؤجلة، وفي مقدمتها إعادة تشغيل مصفاة “سامير”، ومراجعة نظام تحرير أسعار المحروقات، ووضع ضوابط لهوامش الربح التي وصفتها بالفاحشة.
في موازاة ذلك، فجّر رشيد حموني جدلاً آخر، من خلال مطالبته بفتح تحقيق في شبهات تلاعب شركات المحروقات بالمخزون الاحتياطي، واستغلاله للتأثير على الأسعار. ووجّه حموني سؤالاً كتابياً إلى وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، محذراً من ممارسات وصفها بالمحتملة وغير القانونية.
وأشار إلى أن الزيادات التي شهدتها أسعار الغازوال والبنزين في مارس 2026، رغم ارتباطها بالظرفية الدولية، قد تكون أيضاً نتيجة ممارسات جشعة لبعض الفاعلين في السوق. ولفت إلى أن عدداً من محطات الوقود سجلت نقصاً مفاجئاً في التزود، في وقت سارع فيه المواطنون إلى ملء خزاناتهم قبل دخول الزيادات حيز التنفيذ، ما خلق حالة من الاحتقان والاستياء.
ووفق المعطيات التي أوردها، فإن هناك شبهات حول امتناع بعض الشركات الكبرى عن تزويد المحطات بالكميات المطلوبة في الوقت المناسب، وتأجيل عمليات التزويد إلى حين دخول الأسعار الجديدة المرتفعة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى احترام قواعد المنافسة وشفافية السوق. كما تساءل عن مدى استخدام المخزون الاحتياطي فعلياً لصالح المستهلك، أم أنه يُستغل لزيادة أرباح الشركات عبر التحكم في توقيت العرض والأسعار.
وأكد حموني أن مثل هذه الممارسات، في حال ثبوتها، لا تمس فقط بالقدرة الشرائية، بل تهدد التوازن الاجتماعي، خاصة في ظل ارتباط محطات الوقود بعقود حصرية تمنعها من التزود من مصادر بديلة، ما يضعها في موقع ضعف أمام الشركات الكبرى.
في السياق ذاته، حذر خبراء من هشاشة الأمن الطاقي الوطني، مشيرين إلى أن غياب مصفاة “سامير” عن المشهد يزيد من تبعية المغرب للأسواق الخارجية. وأوضحوا أن المصفاة كانت تؤدي دوراً استراتيجياً يتجاوز التكرير، إذ كانت تساهم في تأمين جزء كبير من الحاجيات الوطنية وتعزيز القدرة على التحكم في الإمدادات.
ووفق تقديراتهم، كانت المصفاة تنتج حوالي 200 ألف برميل يومياً، وتغطي نحو 65 في المائة من الاستهلاك الوطني، مع قدرة تخزينية تصل إلى 71 يوماً، مقارنة بنحو 30 يوماً فقط حالياً. كما أشاروا إلى أن التكرير المحلي كان يوفر هامش ربح مهم للاقتصاد الوطني، ويمنح المغرب مرونة أكبر في التعامل مع تقلبات الأسعار الدولية.
واعتبر الخبراء أن فقدان هذه المنشأة لم يكن مجرد خسارة صناعية، بل فقدان أداة سيادية للتحكم في الزمن الطاقي، من خلال القدرة على الشراء والتخزين والتكرير وفق إيقاع وطني، بدل الخضوع الكامل لتقلبات السوق العالمية. وأكدوا أن الوضع الحالي يجعل البلاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية، سواء المرتبطة بالأزمات الجيوسياسية أو الاضطرابات اللوجستية.
كما شددوا على أن الدول التي تمتلك مصافي تكرير تحظى بقدرة أكبر على التفاوض وضبط التكاليف، وتقليص حالة عدم اليقين في السوق، وهو ما يفتقده المغرب في المرحلة الراهنة. واعتبروا أن الاستمرار في تبرير غياب “سامير” بدعوى عدم الجدوى الاقتصادية يتجاهل أبعادها الاستراتيجية.
في ضوء هذه المعطيات، يتقاطع النقد السياسي مع التحليل الاقتصادي في الدعوة إلى مراجعة شاملة لسياسة الطاقة في المغرب، سواء من حيث دعم النقل، أو تحرير الأسعار، أو تدبير المخزون، أو إعادة النظر في البنية الصناعية للقطاع. وبين اتهامات بتغذية الريع وتحذيرات من مخاطر التبعية، يظل ملف المحروقات في قلب النقاش العمومي، باعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني في المرحلة الحالية.










































