— بقلم : فؤاد بوجبير، باحث في علوم الإدارة (متخصص في التدبير العمومي والسياسات العمومية)*
*مقدمة : الاشتراكية في مواجهة محاكمتها الذاتية*
قدّمت الاشتراكية نفسها تاريخيًا بوصفها وعدًا بالتحرّر الشامل : تحرّر العامل، وتحرّر الشعوب، وتحرّر التاريخ نفسه من إعادة إنتاج علاقات الهيمنة. غير أنّ النظر في تجلياتها الملموسة خلال القرن العشرين، ولا سيما في صيغتها الدولتية السلطوية، يفرض سؤالًا ذا طابع أخلاقي حاد : ماذا أنتجت الاشتراكية فعليًا حين امتلكت السلطة؟
بين المثال المُعلن والواقع المعاش اتّسعت هوّة عميقة، ليست فجوة ظرفية، بل قطيعة بنيوية. فمن كارل ماركس إلى فلاديمير لينين، ثم إلى جوزيف ستالين، انتقلت الاشتراكية من نقد جذري للرأسمالية إلى منظومة سلطة، كثيرًا ما انشغلت بالبقاء أكثر من انشغالها بالإنسان الذي ادّعت تغييره.
لم يكن سقوط جدار برلين مجرّد نهاية لعالم ثنائي القطبية، بل دشّن محاكمة تاريخية للاشتراكية «الواقعية». محاكمة لا تزال غير مكتملة، بفعل الالتباسات والصمت والتحوّلات الانتهازية التي تواصل تعكير التحليل.
1 */ اشتراكية الدولة : من الطوباوية النقدية إلى آلة الهيمنة*
لدى كارل ماركس، لم تكن الاشتراكية عقيدة ولا نموذجًا جامدًا، بل حركة نقدية متجذّرة في التاريخ المادي للمجتمعات، تروم تجاوز اغتراب العمل ومصادرة الثروة المنتَجة من قبل البروليتاريا. غير أنّ هذا المشروع النقدي جرى تدريجيًا تحويله إلى دولة، وتقديسه، وعسكرته.
مع لينين، ثم، على نحو أعمق، ستالين، غدت الاشتراكية «سبب دولة»، بحيث حلّ جهاز الحزب محلّ المجتمع، وتحوّلت ديكتاتورية البروليتاريا إلى ديكتاتورية على البروليتاريا. وكما حلّلت بعمق عالمة السياسة الأمريكية حنّة آرندت، فإنّ التوتاليتارية لا تُعرَّف بالعنف وحده، بل بتدمير الفضاء السياسي المستقل حيث ينبغي لتعدّد البشر أن يتجلّى.
أما التخطيط، الذي قُدِّم باعتباره عقلانيًا ومساواتيًا، فقد ترجم غالبًا إلى بيروقراطية افتراسية، بعيدة عن الواقع الاجتماعي. لم يكن العامل السوفييتي متحرّرًا، بل مُدارًا، مُراقَبًا، ومُستَخدمًا كأداة. وتبدّدت وعدُ الكرامة الاجتماعية في منطق الإنتاج القسري والكذب الإحصائي.
2 */ الإفلاس الأخلاقي والفكري بعد 1989: أيديولوجيا بلا بوصلة*
لم يوقّع سقوط جدار برلين على فشل نموذج اقتصادي فحسب، بل كشف عُريًا فكريًا لدى كثير من الأحزاب الاشتراكية حول العالم. فبعد أن فقدت سرديتها التاريخية، وعجزت عن نقد ذاتي جاد، اختارت غالبًا الحلّ الأسهل : التكيّف مع الرأسمالية دون تحويل حقيقي، مع الاحتفاظ بتسميات أحزابها ( الحزب الاشتراكي، الاتحاد الاشتراكي،…)
كان الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون قد تحدّث، قبل 1989 بزمن، عن «ديانة دنيوية» في وصفه للماركسية المُدوغمائية. وبعد انهيار الكتلة السوفييتية، زالت المعابد وبقي الكهنة، وقد أُعيد تدويرهم كمديرين تقنوقراطيين.
في كل مكان تكرّر السيناريو ذاته : قبول قواعد السوق المعولم، التخلّي التدريجي عن المسألة العمالية، واختزال العدالة الاجتماعية في سياسات حدّ أدنى من الإعانة، مع القبول بتوصيات البنك الدولي و صندوق النقد الدولي، لا سيما في ظل الأزمات الاقتصادية و المالية و الصحية، حيث يتم التفاوض على برامج إصلاح هيكلي وقروض مقابل تنفيذ سياسات معينة، مثل إصلاحات مالية أو دعم قطاعات محددة، رغم الاختلاف الأيديولوجي.
وهكذا تحوّلت الاشتراكية، بعد إفراغها من مضمونها الصراعي، إلى لغة بلا قوة، ومعجم أخلاقي يُستعمل لتبرير سياسات تناقض أسسها، و يمكن القول الى حد ما سياسات تنافق مبادئها.
3 */ الاشتراكية الممارسة : الطبيعة غير المقبولة سياسياً للخيانة*
في بلدان عديدة ما تزال تضمّ أحزابًا تتسمّى بالاشتراكية، تفرض حقيقة نفسها، و هي حقيقة غير مريحة، بحيث أن الطبقة العاملة لديها ما تزال تعاني، وأحيانًا أكثر من ذي قبل، تتسع اللامساواة، وتتطبع الهشاشة، ويفقد العمل قدرته الحمائية.
الأسوأ أنّ طبقة اجتماعية جديدة برزت : طبقة «متوسّطة أكثر من اللازم»، ليست فقيرة ولا محميّة حقًا، تعيش على الائتمان، مثقلة بديون تمتد لعقود، أسيرة البنوك وأسعار الفائدة. هذه الطبقة، المكوّنة أساسًا من موظفين عموميين وأجراء في مؤسسات عمومية وخاصة، لم تعد ذاتًا سياسية، بل صارت موضوعًا ماليًا.
وكما تنبّأ عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، فإنّ العنف الاقتصادي المعاصر عنفٌ ناعم، غير مرئي، مُستبطَن. لا يضرب بالقمع الفجّ، بل بالدَّين، والقلق الاجتماعي، والخوف من الانحدار الطبقي.
والأحزاب الاشتراكية، بدل مقاومة هذا المسار، غالبًا ما واكبته أو أضفت عليه شرعية، باسم التحديث والتنافسية.
4/ *حالة المغرب : حين يحكم الخطاب الاشتراكي ضدّ الاجتماعي*
لا يشذّ المغرب عن هذا المسار. فقد انزلقت القوى السياسية ذات المرجعية الاشتراكية تاريخيًا نحو تدبير تقنوقراطي للسلطة، اتّسم بتفويت الملك العمومي، والاصطفاف مع الإملاءات المالية الدولية، والتخلّي الصامت عن الطبقة العاملة.
وباسم «الإصلاح»، غدت الخصخصة قاعدة. بقي الخطاب الاشتراكي حاضرًا في الخطب، لكن الفعل الفعلي انحاز إلى الشركات الكبرى، والمجموعات الاقتصادية المهيمنة، ومنطق الريع، والمصالح الشخصية.
في المقابل، تغرق الطبقة المتوسطة المغربية في الديون، وترهن مستقبلها لبنوك متردّدة في خفض أسعار الفائدة، ويضيق أفقها الاجتماعي. لم يعد الأجر حمايةً، بل صار عامل هشاشة. وغدت الاشتراكية، التي كانت يومًا حامل أمل، ذكرى بلاغية بلا أثر واقعي.
– *خاتمة / الاشتراكية : أفق تحرّري أم خدعة تاريخية؟*
كشفت التجربة المعاصرة حقيقة مزعجة : الاشتراكية كما مورست، خانت في الغالب ما ادّعت تمثيله. فلا اشتراكية القرن العشرين السلطوية، ولا اشتراكية اليوم التدبيرية، أوفت بوعد التحرّر.
لم يعد السؤال إذن، هل فشلت الاشتراكية؟ بل، أيّ اشتراكية فشلت، ولماذا؟ ما دامت أسيرة الأجهزة المكونة لاحزابها، والتسويات التقنوقراطية، ومنطق السلطة، فلن تكون سوى لفظٍ أجوف.
لا يمكن لاشتراكية أصيلة أن تولد من جديد إلا بشرط واحد، العودة إلى الواقع، إلى العمل الحيّ، إلى الكرامة الاجتماعية الملموسة، والقطيعة الجذرية مع نفاق التحدّث باسم الطبقات الشعبية و الحكم ضدّها في نفس الوقت.
ومن هنا يفرض سؤال جوهري نفسه : هل تستطيع «الليبرالية المتوحّشة» أن تؤدّي الدور الذي عجزت الاشتراكية عن أدائه، ولا سيما لفائدة هذه الطبقة «المتوسّطة أكثر من اللازم» التي باتت مركزية في مجتمعاتنا؟
الجواب، في ضوء الوقائع، مقلق بعمق، فالليبرالية المتوحّشة لا تحمي هذه الطبقة، بل تضعفها؛ لا تحرّرها، بل تُغرقها في الدَّين؛ لا تمنحها أفقًا، بل تدفعها إلى البقاء في حاضر دائم، تحكمه آجال القروض والخوف من السقوط الاجتماعي.
تحت غطاء الحرية الاقتصادية، تعمل الليبرالية المتوحّشة بصمت وبسرعة هائلة، مدمّرة آليات التضامن، ومحوِّلة الأفراد إلى ذوات «قابلة للسداد» بدل كونهم مواطنين اجتماعيين. فإذا كانت الاشتراكية قد أخفقت بالسلطوية أو بالتخلّي، فإنّ الليبرالية المتوحّشة تُخفق باللامبالاة البنيوية اتجاه الشرط الإنساني.
وهكذا، لا الاشتراكية «الواقعية» ولا الليبرالية المتوحّشة تبدوان، في صيغتهما الراهنة، قادرَتَين على الإجابة عن الأزمة الاجتماعية المعاصرة. لم يعد السؤال أيديولوجيًا، بل وجوديًا : كيف نعيد بناء مشروع سياسي يحمي دون أن يستعبد، ويحرّر دون أن يَهشّش، ويعيد للعامل، أو للمواطن المُثقَل بالدَّين، كرامة حقيقية لا رمزية؟.
في المغرب، تتوفّر التوجّهات العامة على أرضية صلبة ومحدّدة بوضوح : الرؤية الملكية الحكيمة و السديدة، المسنَدة بدستور متقدّم. يشكّل هذان الركنان إطارًا استراتيجيًا متماسكًا للتفكير في مستقبل البلاد. غير أنّ ذلك يظلّ مشروطًا باحترام هذه التوجّهات وتطبيقها بصرامة ووفاء، حتى تستجيب بفعالية للتحدّيات الاجتماعية الكبرى، وفي مقدّمتها مستقبل الشباب والنساء، الذين يشكّلون اليوم جزءًا أساسيًا من الساكنة النشيطة الباحثة عن العمل والكرامة.







































