يستعد مجال مكافحة الفساد لمرحلة جديدة مع اقتراب إحداث “الأكاديمية المغربية للنزاهة”، المرتقب أن ترى النور بحلول سنة 2027، في خطوة تعكس توجهاً رسمياً نحو ترسيخ مقاربة مؤسساتية قائمة على التكوين والتأهيل ونشر ثقافة النزاهة على المدى المتوسط والبعيد.
وجاء الإعلان عن هذا المشروع ضمن الاستراتيجية الخماسية (2025-2030) التي أطلقتها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، برئاسة محمد بنعليلو، والتي تهدف إلى إرساء منظومة وطنية متكاملة للتبليغ عن الفساد، وتعزيز ثقافة المسؤولية والشفافية، وضمان حماية فعالة للمبلغين ومثيري الانتباه.
ووفق ما ورد في الوثيقة الاستراتيجية، فإن الأكاديمية المرتقبة ستُعنى بالدراسات المتقدمة والتكوين المتخصص في مجالات النزاهة والشفافية والحكامة الجيدة، مع العمل على تقوية القدرات الوطنية في الوقاية من الفساد ومكافحته، مستندة إلى الممارسات الفضلى والتجارب المقارنة، ومتكيفة مع الحاجيات الوطنية ذات الأولوية.
وتسعى الهيئة من خلال هذه المؤسسة الجديدة إلى جعل التكوين رافعة مركزية في معركة طويلة النفس ضد الفساد، عبر مقاربة شمولية تنفتح على محيطها المؤسساتي والبحثي، وطنياً ودولياً، وتُراهن على نقل الخبرات وتوطين المعرفة في هذا المجال الحساس.
ومن المنتظر، خلال السنوات الثلاث المقبلة، الشروع في تأسيس الأكاديمية من الناحية القانونية والتنظيمية، عبر إعداد نظامها الأساسي وهيكلها الإداري والبيداغوجي، إلى جانب إطلاق برامج تكوين أولية تستهدف فئات مختلفة، من مسؤولين عموميين وفاعلين مؤسساتيين وباحثين ومهنيين.
ولا ينفصل مشروع الأكاديمية عن رؤية أوسع لإدماج قيم النزاهة في المنظومة التربوية والتعليمية، إذ تعتزم الهيئة دعم وتشجيع الأنشطة الموازية داخل المؤسسات التعليمية، بما يساهم في ترسيخ هذه القيم لدى الناشئة. وفي هذا الإطار، تُخطط لإقامة شراكة مع القطاع الحكومي المكلف بالتربية الوطنية، لجعل أنشطة الحياة المدرسية مدخلاً موازياً لغرس مبادئ النزاهة والوقاية من الرشوة.
وتشمل هذه الأنشطة تنظيم مسابقات وطنية، وندوات وعروض تفاعلية، وإنتاج وسائل تعليمية وفنية موجهة للتلاميذ، إلى جانب إصدار كتيّب يجمع المساهمات الفنية المدرسية، وتنظيم لقاء وطني لتكريم التلاميذ المبدعين في هذا المجال.
كما يمتد هذا التوجه ليشمل قطاع التكوين المهني، حيث تعمل الهيئة على إعداد تصور لإدماج قيم النزاهة والحكامة الجيدة في مناهج مؤسسات التكوين، من خلال مذكرة توصيات موجهة إلى الجهة الحكومية المعنية، ودراسة تشخيصية حول مدى حضور هذه القيم في البرامج الحالية، فضلاً عن تطوير أدوات بيداغوجية خاصة بالتكوين المهني.
ويعكس هذا المسار قناعة متزايدة بأن محاربة الفساد لا تقتصر على الزجر والتشريع، بل تمر أساساً عبر الاستثمار في الإنسان، وبناء وعي جماعي يجعل من النزاهة سلوكاً يومياً وقيمة راسخة، لا مجرد شعار مؤسساتي. وفي هذا السياق، تُراهن الأكاديمية المغربية للنزاهة على أن تكون حجر الزاوية في تكوين أجيال جديدة قادرة على إحداث تغيير مستدام في منظومة الحكامة والشفافية.










































