تشهد عدد من المدن المغربية، خلال الأيام الأخيرة، نقصاً ملحوظاً في مادتي الغازوال والبنزين بعدد من محطات الوقود، في وضع غير مسبوق أعاد إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بالأمن الطاقي الوطني. هذا النقص تزامن مع صعوبة ولوج بواخر نقل المحروقات إلى الموانئ المغربية، بفعل التقلبات المناخية وارتفاع علو الأمواج، ما أدى إلى تعثر عمليات التفريغ والتزويد، وخلق حالة من الارتباك في السوق.
وعبّر عدد من المواطنين، خاصة في مدينة الدار البيضاء، عن استيائهم من نفاد المحروقات في محطات اعتادوا التزود منها، حيث فوجئوا بإغلاق المضخات أو تحديد الكميات المتاحة، في وقت تشكل فيه هذه المواد عصباً أساسياً لحياة المواطنين والأنشطة الاقتصادية. هذا الوضع فتح مجدداً باب التساؤل حول مدى احترام شركات توزيع المحروقات للمخزون الاحتياطي القانوني، الذي يفترض أن يؤمن حاجيات السوق في حالات الاضطراب الطارئة.
ومنذ سنوات، تتوالى التحذيرات بشأن عدم التزام الفاعلين في قطاع المحروقات بالمخزون القانوني المحدد في 60 يوماً على الأقل من الاستهلاك الوطني، مع إمكانية رفعه إلى 90 يوماً في الظروف الاستثنائية. ويشير منتقدو هذا الوضع إلى أن ما يتم الترويج له غالباً هو القدرات التخزينية النظرية، وليس المخزونات الفعلية القابلة للاستعمال، وهو ما يجعل السوق هشاً أمام أي طارئ خارجي، سواء تعلق الأمر بعوامل مناخية أو اضطرابات في سلاسل التوريد الدولية.
وفي هذا السياق، عاد النقاش بقوة حول مصير مصفاة “سامير” المتوقفة منذ سنوات، والتي تتوفر على خزانات ضخمة غير مستغلة، قادرة على تخزين حوالي مليوني طن من المواد البترولية، أي ما يعادل قرابة 60 يوماً من الاستهلاك الوطني. ويرى متتبعون أن استمرار تعطيل هذه المنشأة الاستراتيجية لا يحرم البلاد فقط من التكرير، بل أيضاً من رافعة أساسية لتأمين مخزون وطني مريح يمكن اللجوء إليه في حالات الطوارئ.
ولا يقتصر أثر غياب المخزون الكافي على خطر الانقطاعات فقط، بل يمتد أيضاً إلى الجانب الاقتصادي، حيث يحول دون استفادة المغرب من التراجعات الحادة التي تعرفها أسعار النفط في بعض الفترات. ففي غياب خزانات ممتلئة، تضطر البلاد إلى الاستيراد بأسعار السوق في لحظة الحاجة، ما ينعكس سلباً على الكلفة وعلى أسعار البيع للمستهلكين.
ويُرجع فاعلون في القطاع الاختلالات المسجلة حالياً، خاصة في ما يتعلق بالغازوال والبنزين، إلى تراجع المخزونات الوطنية منذ توقف “سامير” وعدم استغلال احتياطها الكبير، وهو وضع تفاقم بفعل الظروف المناخية القاسية التي حالت دون تفريغ الشحنات في الموانئ. ويؤكد هؤلاء أن الشركات تشتغل بالحد الأدنى من المخزون، رغم الإلزام القانوني، في ظل ما يعتبرونه تساهلاً في المراقبة وغياب إجراءات ردعية حازمة.
ويحذر متابعون من أن غياب التحرك الاستباقي والتدخل فقط بعد وقوع الأزمة يعمق من هشاشة المنظومة الطاقية، مشيرين إلى أن الوضع الحالي قد ينفرج مؤقتاً بتحسن الأحوال الجوية، لكنه يبعث برسالة واضحة حول ضرورة إعادة النظر جذرياً في سياسة التخزين، والتعامل بجدية مع مطلب إعادة تشغيل “سامير” باعتبارها عنصراً لا غنى عنه في المعادلة الطاقية الوطنية.
وفي خضم هذا الجدل، انتقل النقاش إلى المؤسسة التشريعية، حيث طُرحت تساؤلات حول الوضعية الحقيقية للمخزونات الفعلية من الغازوال والبنزين والغاز البوطان، والإجراءات المزمع اتخاذها لتجاوز هذه الاختلالات وضمان استمرارية التزود. كما وُجهت انتقادات لاختيار الاعتماد شبه الكلي على الواردات الصافية، في مقابل تجاهل متواصل للدعوات المطالبة بإعادة تشغيل المصفاة المغربية.
ويرى منتقدو السياسة الحالية أن استمرار تعطيل “سامير” لا يؤثر فقط على مستوى المخزون، بل يساهم أيضاً في تكريس ارتفاع أسعار المحروقات، خاصة بعد تحريرها، دون إرساء آليات حقيقية للمنافسة بين الفاعلين. وبين تقلبات المناخ، واختلالات التخزين، وغياب رؤية استراتيجية شاملة، يجد المواطن نفسه مرة أخرى في مواجهة تداعيات خيارات طاقية تضع الأمن الطاقي للبلاد أمام اختبار حقيقي.










































