في وقت لم تكد فيه المملكة تستوعب تداعيات المنخفض الجوي السابق «ليوناردو»، عاد المشهد المناخي ليتصدره اسم جديد، هو المنخفض الأطلسي العميق «مارتا»، القادم من المحيط الأطلسي، محمّلاً بسلسلة من الاضطرابات الجوية التي وسمت هذا الشتاء بكثافة غير معتادة. وبينما يبرز الخبراء أهمية هذه التساقطات في إنعاش السدود والأحواض المائية، تتزايد في المقابل التحذيرات من مخاطر الفيضانات المحلية، ما يفرض أعلى درجات اليقظة.
ويُعد منخفض «مارتا» اضطراباً جوياً أطلسياً عميقاً يتشكل في شمال المحيط الأطلسي، ضمن سلسلة المنخفضات الشتوية التي تتحرك شرقاً نحو غرب أوروبا وشمال أفريقيا. ويحمل هذا النوع من الاضطرابات كتلًا هوائية باردة ومشبعة بالرطوبة، تتسبب عادة في أمطار متفاوتة الشدة، ورياح نشطة، واضطراب في حالة البحر.
وبالنسبة إلى المغرب، يتمثل تأثير هذا المنخفض أساساً في تعزيز فرص التساقطات بالمناطق الشمالية والشمالية الغربية، ورفع منسوب الأودية والحقينات المائية، مع احتمال تسجيل فيضانات محلية في بعض الأحواض الحساسة، نتيجة تشبع التربة واستمرار الجريان السطحي. وتبرز على وجه الخصوص مناطق أحواض اللوكوس وسبو، إضافة إلى المناطق الواقعة أسفل السدود الكبرى، حيث يتطلب الوضع تدبيراً دقيقاً لتوازن المخزون المائي وضمان سلامة الساكنة في ظل توالي الاضطرابات الجوية.
وفي هذا السياق، حذر الخبير في المناخ والتنمية المستدامة محمد بنعبو من أن توالي المنخفضات الأطلسية خلال فترة زمنية قصيرة يعكس حالة من عدم الاستقرار الجوي الممتد، حيث تتشكل اضطرابات متعاقبة فوق شمال الأطلسي وتتجه تدريجياً نحو غرب أوروبا وشمال أفريقيا. وأوضح أن هذه الكتل الهوائية الرطبة والقوية لا تأتي بشكل معزول، بل ضمن نظام مناخي موسمي معقد، ما يجعل تأثيرها تراكمياً أكثر منه ظرفياً.
وأشار بنعبو إلى أن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في شدة التساقطات المرتقبة، بل في كون التربة باتت مشبعة بالمياه بعد أسابيع من الأمطار المتواصلة، وهو ما يضاعف من احتمال حدوث فيضانات محلية وانجرافات، خصوصاً في المناطق المنخفضة أو القريبة من المجاري المائية. وأضاف أن هذا السياق المناخي يفرض درجة عالية من اليقظة، إذ إن أي تساقطات إضافية، حتى وإن كانت في حدود المعدلات الطبيعية، قد تكون كافية لإحداث اختلالات ميدانية بسبب تراكم المياه وارتفاع منسوب الأودية.
ومع اقتراب تأثير المنخفض الجديد «مارتا»، بدأت ملامح المرحلة تتضح أكثر، فبعد مرور «ليوناردو» الذي خلّف تساقطات مهمة، لم يدم الاستقرار الجوي سوى ساعات محدودة، قبل أن تدخل المملكة مجدداً ضمن نطاق تأثير منخفض أطلسي جديد يتمركز في عمق المحيط ويمتد نحو السواحل المغربية. ويؤكد بنعبو أن هذا المنخفض يندرج ضمن السلسلة الشتوية للأطلسي الشمالي، وهو نمط مناخي معروف، غير أن وتيرته هذا العام تبدو أكثر كثافة وتواتراً من المعتاد.
وشهدت البلاد بالفعل فترة قصيرة من الهدوء، تخللتها أمطار خفيفة ومتفرقة، غير أن هذا الاستقرار لم يكن سوى مرحلة انتقالية سبقت وصول كتلة هوائية جديدة مشبعة بالرطوبة، مرشحة لإعادة الأجواء غير المستقرة إلى الواجهة. ومن المرتقب أن يكون تأثير «مارتا» أكثر وضوحاً في المناطق الشمالية والشمالية الغربية، حيث تتقاطع المؤثرات الأطلسية مع التضاريس الجبلية، ما يعزز من كثافة التساقطات.
ورغم المخاطر المصاحبة، شدد بنعبو على أن الأمطار التي عرفتها المملكة خلال الأسابيع الأخيرة كان لها أثر إيجابي ملموس على الموارد المائية، خاصة في مناطق الريف والشمال، حيث ساهمت في رفع مخزون عدد من السدود. غير أن هذه الدينامية، على أهميتها في سياق سنوات من الجفاف والإجهاد المائي، تطرح في المقابل تحديات تقنية معقدة، تتعلق بتدبير الحقينات والتحكم في الصبيب، بما يضمن الاستفادة القصوى من الموارد المائية دون تعريض السلامة العامة للخطر.










































