في خضم اللقاء السنوي للفيدرالية المغربية لناشري الصحف، ألقى محتات الرقاص، رئيس الفيدرالية، خطاباً مفصلاً حول الوضع الراهن للصحافة المغربية، مسلطًا الضوء على مجموعة من التحديات الهيكلية والاقتصادية التي تُواجه هذا القطاع الحيوي. وأوضح الرقاص أن القطاع الصحفي بالمغرب يعاني من ضغوط متزايدة تؤثر سلبًا على استدامته وجودته، الأمر الذي يتطلب تدخلاً حكوميًا وسياسات مدروسة لإنقاذه من “الأزمات المتراكمة“.
وبحسب الرقاص، فإن التحديات الاقتصادية باتت تهدد مستقبل الصحافة المغربية، حيث شهدت المؤسسات الإعلامية، خاصة الصحف الورقية، تراجعاً ملحوظاً في الإيرادات على مدى السنوات الماضية، زاد من حدته تأثير جائحة كورونا. وأكد الرقاص أن انخفاض مبيعات الصحف وتراجع عائدات الإعلانات دفع بعدد كبير من المؤسسات إلى تقليص عملياتها أو حتى إغلاق أبوابها بشكل نهائي. وأضاف أن “الأزمة الاقتصادية أثرت بشكل مباشر على استدامة الصحافة الورقية، وأضعفت قدرتها على أداء دورها الحيوي في نقل المعلومة بشكل دقيق ومسؤول“.
ودعا الرقاص إلى اعتماد سياسات تدعم استقرار المؤسسات الإعلامية، مشيراً إلى ضرورة تقديم حوافز ضريبية وتسهيلات مالية تمكنها من مواجهة الأعباء المتراكمة. واعتبر أن هذه التدابير ضرورية لحماية الصحافة من الانهيار، مضيفاً: “دعم الصحافة الوطنية لا يجب أن يكون مقتصراً على مرحلة قصيرة، بل يجب أن يُبنى على سياسات طويلة الأمد تحمي هذا القطاع من أزمات مماثلة مستقبلاً“.
وتناول الرقاص في كلمته أيضاً ضرورة مواكبة التطور التكنولوجي والتحول الرقمي، مشيراً إلى أن هذا التحول أضحى ضرورياً لضمان بقاء الصحافة المغربية في المشهد الإعلامي، خاصة في ظل المنافسة الشديدة مع المنصات الرقمية الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي. وأكد أن المؤسسات الصحفية التقليدية باتت في أمسّ الحاجة للاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتطوير منصاتها الإلكترونية لتحسين حضورها وتوسيع قاعدة جمهورها.
وفي هذا السياق، أشار الرقاص إلى أهمية تقديم دعم حكومي يمكن المؤسسات الإعلامية من توفير التدريب اللازم للعاملين فيها، وتطوير أدوات التحليل الرقمي والتقنيات التي تسهل الوصول إلى الجمهور وتفاعلهم. وقال: “إذا كانت الصحافة تريد الاستمرار والبقاء، فلا بد لها من تطويع التكنولوجيا لخدمتها. هذا الأمر يتطلب دعمًا ماديًا ولوجستيًا من الحكومة، خاصة في ظل التكاليف الباهظة لمواكبة التطورات الرقمية“.
وفي حديثه عن القيم المهنية وأخلاقيات الصحافة، شدد الرقاص على أن الالتزام بمعايير المهنية يُعد من أهم التحديات التي تواجه الصحافة المغربية. وبيّن أن السباق نحو الربحية، خاصة في منصات الإعلام الإلكتروني، أدى إلى تراجع جودة المحتوى وزيادة انتشار الأخبار الكاذبة والمضللة، مما أثر على ثقة الجمهور في الإعلام. وصرّح قائلاً: “إن الصحافة يجب أن تظل وفية لمبادئها في تقديم المعلومة بمصداقية وموضوعية، فالتراجع عن هذه القيم يُسيء إلى المؤسسات ويفقدها مصداقيتها“.
وأشار الرقاص إلى أن بعض الجهات غير المعترف بها كمؤسسات صحفية بدأت تنافس المؤسسات الإعلامية الشرعية من خلال نشر محتوى غير موثوق وبدون التزام بالضوابط المهنية، الأمر الذي يزيد من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الصحافة التقليدية. وطالب الرقاص باتخاذ إجراءات قانونية تحد من انتشار هذه الجهات، مؤكداً على ضرورة “تنظيم قطاع الصحافة الرقمية بما يضمن احترام قواعد المهنة، وحماية الجمهور من التضليل الإعلامي“.
وفي إطار حديثه عن الحلول، اقترح رئيس الفيدرالية مجموعة من الخطوات العملية لتعزيز مكانة الصحافة المغربية وضمان استمراريتها. وأوصى بتأسيس صندوق دعم خاص بالإعلام الوطني يهدف إلى تقديم مساعدات مالية للمؤسسات الصحفية، وخاصة تلك التي تلتزم بمعايير الجودة والمهنية. كما دعا إلى توفير تدريب مستمر للصحفيين لمساعدتهم على التعامل مع التطورات الرقمية واكتساب مهارات جديدة تُعزز من جودة المحتوى.
وفي هذا السياق، أشار إلى ضرورة تعزيز الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني لدعم الصحافة، مشددًا على أهمية إنشاء لجان مختصة لمتابعة التزام المؤسسات بالمعايير المهنية والمالية. وذكر أن “دعم الصحافة ليس مجرد مسألة تمويل، بل هو جزء من حماية الديمقراطية وتعزيزها، فالإعلام هو الضامن الأول لحق الجمهور في الوصول إلى المعلومة“.
في ختام كلمته، عبّر محتات الرقاص عن تفاؤله بمستقبل الصحافة المغربية، معرباً عن أمله في أن يتم تطبيق هذه المقترحات لتحقيق نقلة نوعية في القطاع. ووجه دعوة صريحة لجميع العاملين في المجال الصحفي إلى التكاتف والعمل المشترك لتحقيق مصلحة الإعلام الوطني، قائلاً: “التحديات كبيرة، لكن بالإرادة والدعم يمكننا تجاوزها، وتقديم نموذج صحفي رائد يلبي طموحات المغاربة ويعكس تطلعاتهم“.